عودة الكفاءات المغربية.. عماد الدين أباكو يضع خبرته الدولية في خدمة مستقبل السكك الحديدية بالمغرب
عودة الكفاءات المغربية.. عماد الدين أباكو يضع خبرته الدولية في خدمة مستقبل السكك الحديدية بالمغرب
حاوره :عبد الصمد تاج الدين
عماد الدين أباكو، خبير في تدبير المشاريع السككية، راكم على مدى أكثر من 17 سنة تجربة مهنية وأكاديمية في مجال السكك الحديدية، بين المغرب وفرنسا و دول اخرى من أوروبا . وقد مكنه مساره الدراسي وتحصيله لعدد من الشهادات والتكوينات المتخصصة من بناء قاعدة علمية وتقنية، عززها باحتكاك ميداني داخل عدد من كبريات المجموعات الدولية، من بينها SNCF وENGIE وAlstom وColas Rail.
ومن خلال مساره المهني، اشتغل أباكو دي الاصول المغربية وتحديدا من منطقة ازرو بالاطلس المتوسط ،في مجالات البنيات التحتية السككية، والكهربة، والقطارات الهوائية، وتدبير المشاريع والأوراش الكبرى، قبل أن يتولى اليوم مسؤوليات في مجال إدارة وقيادة المشاريع.
غير أن مسيرته لم تتوقف عند حدود النجاح المهني في أوروبا، إذ اختار العودة إلى المغرب حاملا معه تجربة مهنية امتدت لسنوات، ورؤية تقوم على ضرورة نقل المعرفة والخبرة إلى الوطن، والمساهمة في مواكبة التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع السككي المغربي.
وفي هذا الحوار المركب ، الذي أجرته معه الصحراء المغربية غداة الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر ، يستعيد عماد الدين أباكو ،أبرز محطات مساره الأكاديمي والمهني، ويتحدث عن تجربته في فرنسا و وباقي دول أوروبا، وعن الدوافع التي جعلته يختار العودة إلى المغرب، كما يقدم رؤيته لمستقبل السكك الحديدية الوطنية، ودورها في دعم التنمية الاقتصادية والعدالة المجالية والجهوية المتقدمة.
حوار مع عماد الدين أباكو
من التكوين الأكاديمي إلى الخبرة الدولية... لماذا اختار العودة إلى المغرب لخدمة القطاع السككي؟
الجريدة: بداية، نود أن نتعرف على بدايات مسارك الأكاديمي، وكيف تشكل اهتمامك بالمجال السككي؟
عماد الدين أباكو: مساري الأكاديمي كان أساسا مهما في بناء شخصيتي المهنية. فقد حرصت منذ البداية على اختيار تكوينات ودراسات تسمح لي بفهم الجوانب التقنية والهندسية، وكذلك الجوانب المرتبطة بتدبير المشاريع، وهو ما مكنني لاحقا من الجمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة الميدانية.
ومع مرور السنوات، لم يعد التكوين بالنسبة لي مجرد الحصول على الدبلومات والشهادات، بل أصبح مسارا مستمرا لمواكبة التطورات التي يعرفها قطاع السكك الحديدية، سواء على مستوى التكنولوجيا أو تدبير المشاريع أو السلامة أو الكهربة والرقمنة.
الجريدة: وكيف انتقلت من مرحلة التكوين الأكاديمي إلى الاحتكاك المهني بالمؤسسات والمجموعات الكبرى؟
عماد الدين أباكو: الانتقال إلى المجال المهني شكل محطة أساسية في مساري. فقد أتيحت لي فرصة العمل ضمن مؤسسات ومجموعات كبرى مثل SNCF وENGIE وAlstom وColas Rail، وهي تجارب مختلفة لكنها متكاملة، مكنتني من الاطلاع عن قرب على طرق إنجاز المشاريع الكبرى، وتدبير الأوراش، واحترام معايير الجودة والسلامة والآجال.
هذه التجربة علمتني أن نجاح أي مشروع سككي لا يرتبط فقط بجودة البنية التحتية أو التكنولوجيا المستعملة، وإنما أيضا بكفاءة الموارد البشرية، وبحسن التخطيط والتنسيق والحكامة.
الجريدة: أكثر من 17 سنة في القطاع السككي بفرنسا وأوروبا والمغرب، ماذا أضافت إليك هذه التجربة؟
عماد الدين أباكو: أضافت إلي الكثير، سواء على المستوى التقني أو الإداري أو الإنساني. اشتغلت في بيئات مهنية مختلفة، وشاركت في مشاريع وأوراش كبرى، وهذا جعلني أتعرف على مختلف مراحل المشروع السككي، من الدراسة والتخطيط إلى التنفيذ والتتبع والتسليم.
كما أن العمل في بيئات دولية علمني أهمية العمل الجماعي ونقل المعرفة، وأكد لي أن الكفاءة الحقيقية لا تتوقف عند امتلاك الخبرة، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قيمة مضافة يستفيد منها المشروع والمؤسسة والمجتمع.
الجريدة: بعد كل هذه السنوات من العمل في فرنسا وأوروبا، لماذا اخترت العودة إلى المغرب؟
عماد الدين أباكو: العودة إلى المغرب كانت بالنسبة لي قرارا مهنيا وشخصيا في الوقت نفسه. بعد سنوات طويلة من اكتساب التجربة، شعرت أن الوقت حان لأضع ما راكمته من معرفة وخبرة في خدمة بلدي.
المغرب يعيش اليوم مرحلة مهمة جدا في مجال البنيات التحتية والنقل السككي، وهناك مشاريع استراتيجية وطموحات كبيرة، وهذا يوفر فرصة حقيقية للكفاءات المغربية التي راكمت تجارب في الخارج للمساهمة في هذا الورش الوطني.
بالنسبة لي، العودة ليست مجرد رجوع جغرافي إلى الوطن، وإنما هي رغبة في المشاركة الفعلية في بناء وتطوير قطاع أعرفه جيدا واشتغلت فيه لسنوات.
الجريدة: هل تعتبر أن الكفاءات المغربية المقيمة أو التي اشتغلت بالخارج يمكن أن تلعب دورا أكبر في هذه المرحلة؟
عماد الدين أباكو: بالتأكيد. المغرب يتوفر على كفاءات مهمة داخل الوطن وخارجه، وأعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خلق جسور أكبر بين هذه الكفاءات والمشاريع الوطنية.
الخبرة التي يكتسبها المغربي في الخارج يمكن أن تكون مفيدة عندما يتم نقلها وتكييفها مع حاجيات المغرب. والأهم هو ألا يكون الهدف مجرد استيراد الخبرة، وإنما بناء خبرة وطنية قادرة على التطور والاستمرار.
الجريدة: كيف تنظرون إلى مستقبل السكك الحديدية في المغرب؟
عماد الدين أباكو: أعتقد أن السكك الحديدية لم تعد مجرد وسيلة للنقل، بل أصبحت جزءا من الرؤية الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة. نجاح تجربة البراق منذ إطلاقه سنة 2018 أكد قدرة المغرب على إنجاز مشاريع سككية ذات مستوى عالمي.
لكن المرحلة المقبلة تطرح رهانات أكبر، لأن المطلوب ليس فقط توسيع شبكة القطارات فائقة السرعة، وإنما بناء منظومة سككية متكاملة تربط المدن والموانئ والمناطق الصناعية ومناطق الإنتاج، وتساهم في تحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف الجهات.
الجريدة: وماذا عن الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية؟
عماد الدين أباكو: لا يمكن تحقيق جهوية متقدمة فعالة من دون بنية تحتية قوية. فالجهة تحتاج إلى وسائل نقل تمكنها من استقطاب الاستثمار، وتنشيط السياحة، وربط المقاولات بالأسواق، وتسهيل تنقل المواطنين.
لهذا أرى أن السكك الحديدية يجب أن تكون جزءا من سياسة متكاملة لإعادة توزيع فرص التنمية، وليس فقط وسيلة للربط بين المدن الكبرى.
الجريدة: هل يعني ذلك أن هناك حاجة إلى التفكير في توسيع الشبكة نحو مناطق داخلية أخرى؟
عماد الدين أباكو: بالتأكيد، ولكن وفق دراسات الجدوى والأولويات الوطنية. هناك مناطق تتوفر على مؤهلات سياحية وفلاحية وصناعية مهمة، ويمكن أن تستفيد كثيرا من تحسين الربط السككي.
الفكرة الأساسية هي ألا ننظر إلى السكة باعتبارها خطا لنقل المسافرين فقط، بل باعتبارها أداة لتنمية المجال. عندما تصل السكة إلى منطقة معينة، يجب أن نفكر في ما يمكن أن نبنيه حولها من مناطق لوجستية، ومشاريع سياحية، ومراكز لتثمين المنتجات المحلية، ومناطق صناعية.
الجريدة: بمعنى أن التنمية يجب أن تبنى حول السكة وليس السكة وحدها؟
عماد الدين أباكو: بالضبط. هذا هو التصور الذي أؤمن به. السؤال ليس فقط: أين سنبني السكة؟ وإنما: ماذا نريد أن نبني حولها؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال، يمكن للسكك الحديدية أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية.
الجريدة: وفي هذا السياق، كيف تنظرون إلى مستقبل الصناعة السككية الوطنية؟
عماد الدين أباكو: أعتقد أن المغرب أمام فرصة كبيرة. المشاريع الكبرى يجب أن تساهم في تطوير منظومة صناعية وطنية مرتبطة بالسكك الحديدية، تشمل الهندسة، والصيانة، والإشارات، والكهربة، والرقمنة، وتكوين الموارد البشرية.
فالسيادة لا تعني فقط امتلاك البنية التحتية، وإنما أيضا امتلاك المعرفة والخبرات والقدرة على تطويرها وصيانتها.
الجريدة: بعد هذه المسيرة الطويلة، ماذا يمثل لك اليوم العمل في المغرب؟
عماد الدين أباكو: يمثل لي مسؤولية قبل أن يكون فرصة مهنية. لقد استفدت كثيرا من التجربة التي عشتها في فرنسا وأوروبا، والآن أريد أن أضع جزءا من هذه الخبرة في خدمة بلدي.
المغرب يتوفر على طاقات بشرية ومشاريع وطموحات كبيرة، وما نحتاجه هو الاستثمار أكثر في المعرفة والكفاءات، وتشجيع أبناء الوطن الذين راكموا تجارب دولية على العودة والمساهمة في الأوراش الوطنية.
الجريدة: وما هي الرسالة التي تود توجيهها في ختام هذا الحوار؟
عماد الدين أباكو: أقول إن المغرب مقبل على مرحلة مهمة، والسكك الحديدية ستكون إحدى ركائزها الأساسية. علينا أن نستثمر في البنية التحتية، ولكن أيضا في الإنسان والمعرفة والخبرة.
لقد كانت تجربتي في فرنسا وأوروبا فرصة للتعلم واكتساب الخبرة، أما العودة إلى المغرب فهي بالنسبة لي فرصة لرد جزء من هذا الجميل، والمساهمة بما أملك من تجربة في الارتقاء بالقطاع السككي، وجعله أكثر قدرة على مواكبة التنمية الاقتصادية والجهوية للمملكة.
فالطموح ليس فقط أن نبني قطارات أسرع، وإنما أن نبني من خلال السكك الحديدية مغربا أكثر اتصالا، وأكثر تنافسية، وأكثر عدالة في توزيع فرص التنمية.







