مكناس... عصارة النفايات تهدد صحة المكناسيين وتلوث بيئتهم
مكناس... عصارة النفايات تهدد صحة المكناسيين وتلوث بيئتهم
تعيش أزقة مدينة مكناس وجل أحيائها على مشهد بات يتكرر بأسف شديد، بفعل أن شاحنات نقل القمامة التابعة للشركة المفوض لها مسؤولية تدبير قطاع النظافة، وهي تجوب الشوارع مخلفة وراءها سيلا متواصلا من السوائل ذات الرائحة الكريهة النافذة. هذه السوائل، المعروفة علميا بـ "العصارة" أو "الليكسيفيا"، ليست مجرد مياه قذرة عابرة، بل هي مركب كيميائي وبكتيري شديد الخطورة يشكل تهديدا صامتا يمس السلامة الصحية والبيئية لساكنة العاصمة الإسماعيلية.
وتتكون هذه العصارة نتيجة ضغط وتحلل النفايات المنزلية والعضوية داخل الشاحنات، خاصة تلك التي تحتوي على نسبة عالية من الرطوبة كبقايا الخضراوات والفواكه والمواد الغذائية التي تشكل الجزء الأكبر من الفضلات اليومية للأسر. وفي غياب الصيانة الدورية لخزانات تجميع العصارة أسفل الشاحنات، أو بسبب تلف الفواصل المطاطية للضغط والإغلاق، تتسرب هذه السوائل على الإسفلت. ولا يقتصر هذا التسرب على حي دون آخر، بل يطال شرايين حيوية وأحياء ذات كثافة سكانية وتجارية عالية، مثل حي البساتين، وحي المنصور، وسيدي بابا، ووجه عروس، بالإضافة إلى أحياء الزيتون وبرج مولاي عمر،...الخ حيث أصبحت الطرقات المعبدة ترسم عليها خرائط سوداء من البقع الزيتية والسوائل الملوثة التي تترك أثرا بيئيا جالبا للعديد من الامراض.
فالأثر المترتب عن تسرب العصارة يتجاوز الإزعاج البصري والرائحة الكريهة ليمس جوهر النظام البيئي والصحي بالمدينة. فعلى المستوى البيئي، تتسرب العصارة عبر شقوق الإسفلت ومجاري مياه الأمطار لتصل إلى التربة، ومنها إلى الفرشة المائية السطحية والجوفية التي تعتمد عليها منطقة سايس الفلاحية، مما يهدد بتسرب مختلف المعادن الثقيلة والملوثات الكيميائية إلى الدورة الغذائية، فضلا عن تأثير حامضيتها العالية على الأشجار والحزام الأخضر والقضاء على الأحياء الدقيقة النافعة في التربة. أما صحيا، فتعد العصارة بيئة مثالية لنمو وتكاثر المكروبات والبكتيريا الضارة والطفيليات، حيث يؤدي تبخر هذه السوائل تحت أشعة الشمس، ونحن في عز الصيف والارتفاع الكبير لدرجات الحرارة إلى انتشار الروائح الكريهة في الهواء والتي تسهم في تفاقم أمراض الجهاز التنفسي لدى الأطفال وكبار السن، إلى جانب أمراض الجلد والحساسية الناتجة عن التلامس المباشر، علاوة على جذب الحشرات الضارة والقوارض التي تنقل الأوبئة.
ويعكس استمرار هذه الظاهرة خللا واضحا في منظومة التدبير والتأطير، حيث تعاني العديد من الشاحنات المستخدمة من قدم أجهزتها و غياب الصيانة الوقائية المنتظمة لخزانات العصارة، رغم مجموع النداءات من طرف بعض الساكنة في هذه الاحياء أو تدخل فعاليات المجتمع المدني مما يجعلها غير قادرة على حصر السوائل أثناء عمليات الكبس والنقل. وهنا تقع المسؤولية المباشرة على عاتق الجماعة الترابية لمكناس باعتبارها الجهة المفوضة، والتي يفترض بها تفعيل آليات الرقابة الصارمة، وفرض الغرامات المنصوص عليها في دفتر التحملات عند عدم التزام الشركة بالمعايير البيئية والصحية.
ولإنهاء هذا الخطر البيئي اليومي، لا بد من تبني مقاربة شاملة تتكامل فيها الحلول التقنية مع الإرادة السياسية والمواطنة الفاعلة. يتطلب ذلك بداية إلزام شركة "ميكومار" بإخضاع كافة شاحناتها لفحص فني بيئي شامل، وتجديد الفواصل المطاطية وخزانات التجميع، مع إدخال شاحنات حديثة مجهزة بتقنيات العزل التام، وغسل الشوارع وتطهيرها فورا بمواد معقمة في النقاط المتضررة. كما يجب تفعيل أدوات الحكامة والمراقبة عبر تشكيل لجنة قيادة مشتركة بين الجماعة وممثلي المجتمع المدني لتفقد جودة الخدمات ميدانيا وتطبيق الشروط الجزائية اللازمة. ولا يكتمل هذا المسار إلا بتغيير في سلوكيات المواطنين من خلال تجفيف الفضلات المنزلية من السوائل قبل رميها، والالتزام بأوقات جمع القمامة، واستعمال أكياس متينة ومغلقة بإحكام، بالاضافة الى وضعها في داخل الحاويات.
إن نظافة مكناس وسلامة بيئتها ليست رفاهية خدماتية، بل هي حق أساسي من حقوق الساكنة ومسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل. فالمجلس الجماعي لمكناس مطالب اليوم بتسجيل موقف واضح وإلزام الشركة المفوض لها بتطبيق أعلى معايير الجودة والسلامة، كما أن المواطن المكناسي مدعو ليكون شريكا في الحل بوعيه وسلوكه البيئي اليومي، فقد حان الوقت لتتوقف شاحنات النظافة عن كونها مصدرا للتلوث، ولتعود مكناس كما كانت دوما، حكيمة بعمرانها ونظافة شوارعها وفضائتها.
حسن جبوري





