مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
حسن الروخ يحذر من “الريع المؤسساتي” في السينما المغربية ويدعو إلى ربط الدعم بالنتائج
مغرب المواطنة2026-08-10 17:45:51
للمشاركة:

حسن الروخ يحذر من “الريع المؤسساتي” في السينما المغربية ويدعو إلى ربط الدعم بالنتائج

حسن الروخ يحذر من “الريع المؤسساتي” في السينما المغربية ويدعو إلى ربط الدعم بالنتائج

يثير الدعم العمومي الموجه إلى القطاع السينمائي والثقافي في المغرب أسئلة متزايدة حول مدى قدرة المنظومة الحالية على تحويل الموارد المالية المرصودة إلى صناعة مستدامة، قادرة على إنتاج أعمال تصل إلى الجمهور وتخلق قيمة ثقافية واقتصادية، في وقت لا تزال فيه تحديات التوزيع والعرض والتكوين والترويج حاضرة بقوة في المشهد السينمائي الوطني.

ولا يرتبط النقاش، في هذا السياق، بحجم الأموال التي تخصصها الدولة للقطاع فقط، وإنما يمتد إلى طريقة توجيهها، ومعايير الاستفادة منها، وآليات تقييم نتائجها بعد إنجاز المشاريع.

وبينما يظل الدعم العمومي إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها السينما المغربية لتطوير الإنتاج الوطني، تطرح محدودية شبكة العرض وضعف التسويق وتفاوت فرص الولوج إلى التمويل أسئلة حول مدى تكامل حلقات الصناعة السينمائية.

وفي تصريحات لجريدة “العمق”، يقدم حسن الروخ، أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط والفاعل الجمعوي في المجال الثقافي والفني، تشخيصا نقديا لواقع القطاع، معتبرا أن المنظومة الحالية تعاني اختلالات بنيوية تحول دون تحقيق أثر تنموي ملموس، وتطرح -في تقديره- علامات استفهام حول تحول بعض آليات التمويل إلى صيغة من صيغ “الريع المؤسساتي”، مقترحا في الوقت نفسه مجموعة من الإجراءات والبدائل لإعادة النظر في منظومة الدعم المعتمدة عبر المركز السينمائي المغربي.

من دعم الإنتاج إلى مساءلة النتائج

يرى حسن الروخ أن إحدى أبرز الإشكالات التي تواجه القطاع السينمائي تتمثل في طبيعة التمويل العمومي نفسه، موضحا أن عددا من شركات الإنتاج يعتمد على المنح المباشرة باعتبارها مصدرا رئيسيا لتمويل المشاريع، بدل أن تشكل هذه المنح جزءا من تركيبة مالية تجمع بين الموارد العمومية والتمويل الخاص والاستثمار.

وبحسب تصوره، فإن هذا النموذج يضعف قدرة المنتجين على تطوير مبادرات تجارية قادرة على استقطاب التمويلات الخاصة أو بناء شراكات مع المستثمرين، كما يقلص مساحة المخاطرة المرتبطة بالنجاح التجاري للعمل السينمائي، وهو ما يدفعه إلى الدعوة لمراجعة فلسفة التمويل العمومي والانتقال من الاعتماد الواسع على المنح المباشرة إلى نموذج يجمع بين الدعم والاستثمار والتحفيز المالي وقياس النتائج.

ويعتبر الروخ، أن التمويل الذي لا يرتبط باسترجاع جزء من تكلفته أو بقياس النتائج يمكن أن يساهم في نشوء سوق أقل تنافسية، لأن المنتج يحصل على جزء أساسي من التمويل قبل وصول الفيلم إلى الجمهور، فيما لا ترتبط الاستفادة بالضرورة بما سيحققه العمل لاحقا على مستوى المشاهدة أو التوزيع أو الحضور الدولي.

وفي هذا الإطار، يدفع الأستاذ الجامعي في اتجاه ما يسميه “الهندسة المالية المركبة”، من خلال تخصيص جزء من الميزانيات الحالية لصناديق ضمان القروض، بما يسمح بتشجيع البنوك والمؤسسات المالية على تمويل المشاريع السينمائية، إلى جانب تطوير تحفيزات ضريبية لفائدة الشركات والمؤسسات التي تستثمر في الإنتاج أو البنية التحتية السينمائية.

ومن شأن هذا التصور -وفق الروخ- أن ينقل القطاع تدريجيا من نموذج يعتمد أساسا على المنحة إلى نموذج تتقاسم فيه الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية جزءا من المخاطر، بما يعزز الطابع الصناعي للسينما ويشجع المنتجين على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار.

تمركز الاستفادة وغياب تكافؤ الفرص

تعد مسألة توزيع الدعم الإنتاجي من بين النقاط التي يشدد الروخ على ضرورة مراجعتها، مشيرا إلى أن الغلاف المالي المخصص سنويا لدعم إنتاج الأعمال السينمائية يناهز -وفق تقديره- ما بين 60 و70 مليون درهم، في وقت تميل فيه الاستفادة -بحسب قراءته- إلى التمركز حول عدد محدود من شركات الإنتاج التي تتكرر أسماؤها ضمن المشاريع المدعومة.

ويحذر من أن استمرار هذا الوضع قد يضعف مبدأ تكافؤ الفرص أمام الشركات الناشئة والطاقات الشابة، داعيا إلى إعادة النظر في آليات الاستحقاق وتوسيع دائرة المستفيدين، مع ربط الحصول على المال العام بقيمة مضافة قابلة للقياس، وليس فقط بتكرار الاستفادة.

ويطرح، في هذا السياق، اعتماد قدر أكبر من الشفافية في نتائج الدعم، وإخضاعها لتقارير افتحاص وتقييم مستقلة تنشر للعموم، إلى جانب اعتماد مبدأ التدوير الشفاف لأعضاء لجان الدعم، للحد من تضارب المصالح وتكرار شبكات الاستفادة.

ولا يتوقف الأمر، في تصور الروخ، عند كيفية منح الدعم، بل يمتد إلى ما يحدث بعد صرفه. فغياب تقييم لاحق يقيس نتائج الأموال العمومية يجعل الحكم على أثرها الفعلي أكثر صعوبة، خصوصا عندما لا تكون فرص التوزيع أو حجم الجمهور أو الحضور الدولي جزءا من المعايير التي تؤخذ بعين الاعتبار عند تقييم المشروع.

ومن هنا، يطرح ربط مراحل صرف الدعم بمؤشرات أداء واضحة، بحيث لا ينتهي التزام المؤسسات العمومية بمجرد اكتمال الإنتاج، وإنما يمتد إلى مرحلة التوزيع والعرض وقياس النتائج. ويمكن، بحسب طبيعة كل مشروع، أن ترتبط الدفعات الأخيرة بضمان توزيعه في عدد محدد من القاعات، أو بمشاركته في مهرجانات دولية مصنفة، أو بمؤشرات مشاهدة قابلة للقياس.

الإنتاج وحده لا يصنع صناعة سينمائية

لا يفصل الروخ بين أزمة التمويل وأزمة التوزيع والعرض، معتبرا أن إنتاج الأفلام لا يمكن أن يشكل هدفا قائما بذاته في غياب منظومة قادرة على إيصال هذه الأعمال إلى الجمهور.

ويلفت، في هذا الصدد، إلى تقلص شبكة القاعات السينمائية بالمغرب مقارنة بما كانت عليه في عقود سابقة، وتمركز ما تبقى منها في عدد محدود من المراكز الحضرية الكبرى، معتبرا أن أثر برامج تحديث ورقمنة القاعات يظل محدودا ما لم يواكبه توسيع قاعدة العرض وبناء سوق قادرة على استقطاب الجمهور.

ويحذر الروخ من أن استمرار إنتاج عدد كبير من الأفلام دون توفير مسارات فعالة للتوزيع والعرض يمثل اختلالا في ترتيب الأولويات، لأن المنتج السينمائي -في تصوره- لا يكتمل بمجرد انتهاء التصوير والمونتاج، وإنما بقدرته على الوصول إلى المشاهد وتحقيق حضور تجاري وثقافي.

ومن هذا المنطلق، يقترح إحداث آلية خاصة لدعم الترويج والتوزيع، على أن يحظى تسويق الفيلم بالأهمية نفسها التي يحظى بها تمويل الإنتاج، بما يسمح للأعمال المغربية بالوصول إلى جمهور أوسع داخل المغرب وخارجه.

المهرجانات.. الحاجة إلى الانتقال من العدد إلى الأثر

يمتد نقد الروخ إلى منظومة دعم المهرجانات والتظاهرات السينمائية التي تستفيد منها عشرات المبادرات سنويا، إذ يرى أن الإشكال لا يكمن في عدد المهرجانات في حد ذاته، وإنما في غياب مؤشرات واضحة لقياس أثرها الثقافي والاقتصادي على المدن والمناطق التي تحتضنها.

ويشير إلى أن غياب مؤشرات واضحة لقياس الأداء يجعل من الصعب تقييم الأثر الفعلي لبعض التظاهرات، خصوصا عندما يظل حضورها مرتبطا باستقطاب الوجوه والشبكات نفسها دون انعكاس واضح على نشر الثقافة السينمائية أو خلق دينامية محلية، داعيا إلى الانتقال من منطق دعم التظاهرة باعتبارها نشاطا قائما بذاته إلى تقييم ما تحققه من نتائج فعلية.

وبالنسبة إليه، ينبغي أن تصبح مؤشرات الأداء جزءا من عملية تقييم الدعم، سواء تعلق الأمر بحجم الجمهور، أو طبيعة الأنشطة الموجهة إلى السكان، أو أثر التظاهرة على الاقتصاد المحلي، أو قدرتها على تطوير المواهب والتكوين السينمائي.

ربط الدعم بالنتائج

يطرح الروخ، في هذا السياق، إعادة صياغة العلاقة بين الدعم العمومي والمشاريع المستفيدة منه، عبر اعتماد دفاتر تحملات قائمة على النتائج، وربط صرف الدفعات الأخيرة من الدعم بتحقيق مؤشرات محددة.

ومن بين المعايير التي يطرحها ضمن هذا التصور، قدرة الفيلم على ضمان التوزيع في عدد من القاعات، أو المشاركة في مهرجانات دولية مصنفة، أو تحقيق مستويات محددة من المشاهدة، بحسب طبيعة كل مشروع.

ولا يعني هذا الطرح -وفق منطقه- إخضاع الإبداع لمنطق تجاري صرف، وإنما إدخال عنصر التقييم اللاحق ضمن منظومة تمويل الأعمال الفنية، بحيث لا تنتهي مسؤولية المؤسسات العمومية عند صرف الدعم، بل تمتد إلى قياس ما تحقق بواسطته.

التكوين.. الاستثمار الذي يسبق الكاميرا

يضع الروخ مسألة التكوين ضمن الاختلالات التي تحتاج إلى معالجة موازية للإنتاج والتمويل، مشيرا إلى وجود فجوة بين بعض مخرجات التكوين الأكاديمي ومتطلبات سوق الإنتاج السينمائي، خصوصا في مجالات كتابة السيناريو، والمؤثرات البصرية، والتدبير الإداري والمالي للمشاريع السينمائية.

ويؤكد أن تطوير صناعة سينمائية قادرة على المنافسة يحتاج إلى الاستثمار في رأس المال البشري، وليس فقط في المعدات ومراحل الإنتاج، مقترحا تخصيص موارد ثابتة لورشات كتابة السيناريو وبرامج الإقامة الفنية والتأطير المهني، مع الاستفادة من خبرات وطنية ودولية.

ويضع جودة المشروع في مرحلة تسبق التصوير، من خلال مواكبة الكتاب والمخرجين والمنتجين الشباب وتطوير مشاريعهم، بما يرفع من فرص نجاحها عند انتقالها إلى مرحلة الإنتاج.

العدالة المجالية وبناء جمهور جديد

يضع الأكاديمي حسن الروخ مسألة العدالة المجالية في قلب النقاش حول السينما، منتقدا ما يعتبره وجود مناطق تفتقر إلى فضاءات العرض السينمائي، وهو ما يحرم شرائح واسعة من المواطنين في المدن الصغرى والمتوسطة والمناطق البعيدة من الوصول المنتظم إلى الأفلام.

ويقترح، في هذا الإطار، تطوير شبكات عرض بديلة، بما فيها السينما الجوالة، وتجهيز المراكز الثقافية في مختلف الجهات بوسائل عرض حديثة، بما يسمح بتوسيع قاعدة الجمهور خارج المدن التي تتركز فيها القاعات التجارية.

ويربط الروخ هذه المسألة أيضا بالتربية على الصورة، معتبرا أن ضعف علاقة الناشئة بالسينما يبدأ من غياب حضور منتظم للفيلم والثقافة السينمائية داخل المؤسسات التعليمية والجامعية.

ومن هذا المنطلق، يدعو إلى دعم الأندية السينمائية داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، بشراكة مع المجتمع المدني، بهدف بناء جمهور جديد يمتلك أدوات المشاهدة والنقد، وليس مجرد جمهور مستهلك للأعمال الفنية.

من “الريع المالي” إلى صناعة ثقافية مستدامة

يرى الروخ أن إصلاح القطاع لا يمكن أن يقتصر على تعديل آلية الدعم، بل يستدعي إعادة النظر في مفهوم “الصناعة الثقافية” نفسه، بحيث لا تختزل الثقافة في مفهوم تسويقي مفرغ من محتواه الفكري، وإنما يتم بناء بيئة تجمع بين حرية الإبداع وصرامة التدبير الاقتصادي.

وفي هذا الإطار، يشدد على ضرورة تكريس “شفافية الاستحقاق وتدوير النخب، وربط الاستفادة من المال العام بكشوفات تفصيلية حول أوجه الصرف، مع الحد من تكرار استفادة الأفراد والشركات أنفسهم لسنوات متتالية من دون تقديم قيمة مضافة مثبتة بالأرقام.

كما يعطي الأولوية لضمان سياق العرض قبل التوسع في الإنتاج، لأن إنتاج عشرات الأفلام سنويا من دون توفر قاعات كافية أو منصات توزيع وطنية رقمية يجعل جزءا من الموارد المرصودة للإنتاج عرضة للهدر.

ويخلص الروخ إلى أن الانتقال بالقطاع السينمائي من حالة “الريع المالي” إلى “النهضة الإبداعية” يتطلب إرادة سياسية لإعادة صياغة القوانين المنظمة للقطاع، مع جعل القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية طرفا فاعلا في المنظومة.

وبموازاة ذلك، يضع أولوية خاصة للشباب والتكوين المستمر والعدالة المجالية في توزيع الخدمة الثقافية، معتبرا أن مستقبل السينما المغربية لا يرتبط فقط بزيادة حجم الدعم، وإنما بمدى قدرة المنظومة على تحويل المال العمومي إلى صناعة أكثر تنافسية، وإبداع أكثر حضورا، وجمهور أوسع، وعائد ثقافي واقتصادي قابل للقياس.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي تطرحه قراءة الروخ لا يتعلق فقط بـ”كم تنفق الدولة على السينما؟”، وإنما بما يحدث لهذا الإنفاق بعد خروجه من صناديق الدعم: من يستفيد منه، وكيف يُستثمر، وما الذي يعود به على الصناعة والجمهور والمجال، وما إذا كان قادرا على إنتاج دورة اقتصادية وثقافية مستدامة، بدل الاكتفاء بإعادة تدوير الدعم داخل المنظومة نفسها.

حسن الروخ يحذر من “الريع المؤسساتي” في السينما المغربية ويدعو إلى ربط الدعم بالنتائج

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: