مامعنى التراث البلدي الفيلالي ؟؟
مامعنى التراث البلدي الفيلالي ؟؟
قد نتحدث عن بقايا زمن مضى، بل عن طبقات من الذاكرة ما تزال تتحرك داخل الحاضر، تؤثر في الوعي الفردي والجماعي، وتطرح أسئلة حقيقية حول معنى الاستمرار والتطور. ومن هذا المنطلق، تبرز موسيقى البلدي في الرشيدية بوصفها تعبيرا إنسانيا واجتماعيا قبل أن تكون مجرد لون موسيقي أو شكل فولكلوري قابل للعرض .. البلدي هنا لم ينشأ داخل مؤسسة، ولم يُصغ وفق معايير فنية أكاديمية، بل ولد من الحاجة، من اليومي، من الاحتكاك المباشر بالحياة في سياقها القاسي والبسيط في آن واحد. هو صوت الناس حين لا يجدون لغة رسمية تعبر عنهم، وإيقاع الجسد حين يعجز الكلام عن
حمل ما يكفي من الألم أو الفرح..
في هذا المعنى، لا يمكن فهم موسيقى البلدي كفن للمتعة فقط، بل كآلية اجتماعية غير معلنة للحفاظ على التوازن النفسي للجماعة. في الأعراس، المواسم، اللقاءات العفوية، وحتى في لحظات التعب، كان الإيقاع البلدي يخلق مساحة مشتركة، يذيب الفرد في الجماعة دون أن يلغيه، ويمنح الناس إحساسا مؤقتا بالتماسك. لم يكن الهدف هو الجمال الخالص، بل الاستمرار، ولذلك يمكن القول إن البلدي أدى وظيفة بقاء رمزية، لا تقل أهمية عن أي آلية اجتماعية أخرى.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا : هل يخدم هذا التراث الإنسان اليوم، أم أنه يتحوّل أحيانا إلى قيد ناعم؟ هنا يصبح التفكير العقلاني ضرورة. فالبلدي يخدم الناس حين يظل تعبيرا صادقا. و حين يمنحهم صوتا يعكس واقعهم دون تزييف، وحين يسمح لهم بإعادة الاعتراف بأنفسهم داخل جماعة تشترك في الإحساس والمعنى. .
لكنه في المقابل يفقد هذه الوظيفة عندما يُختزل في صورة جامدة، أو يُستعمل كفرجة سياحية، أو يُقدَّم كدليل على “البساطة و النية” الإنسان ورضاه الدائم، فيتحوّل من أداة تعبير إلى أداة تسكين. في هذه اللحظة، لا يعود البلدي صوتا للناس، بل صورة عنهم تُستهلك من الخارج.
غياب هذا الفن عن التوثيق الجاد والدعم المؤسسي ليس أمرا بريئًا بالكامل، لأن البلدي بطبيعته مقاوم للترويض..إنه لا يحمل خطابا رسميا، ولا ينسجم بسهولة مع قوالب العرض المعلّب، كما أنه ينقل ذاكرة الهامش لا المركز…وعندما يُعاد إدخاله إلى المجال الرسمي، غالبا ما يتم تلميعه أو تنقيته من حدته، فيفقد جزءا من صدقه مقابل قابلية الاستهلاك. هنا يصبح التراث حاضر شكليا، لكنه غائب وظيفيا.
أما علاقته بالتطور، فهي أكثر تعقيدا مما يبدو. فالتطور لا يعني القطيعة مع هذا النوع من التعبير، كما أن الحفاظ عليه لا يعني تجميده خارج الزمن. العلاقة الصحية تقوم على الوعي، أي على فهم البلدي بوصفه ذاكرة مفتوحة لا قانون نهائي. حين يقرأ التراث قراءة نقدية، ويعاد تأويله في ضوء أسئلة الحاضر، يمكنه أن يتحوّل إلى رافعة للنمو الواعي. أما حين يُقدّم كحقيقة مكتملة، غير قابلة للمساءلة، فإنه يعادي التطور حتى وإن بدا محافظا على “الأصالة”.
في النهاية، لا تكمن قيمة موسيقى البلدي في كونها قديمة أو محلية، بل في كونها خبرة إنسانية صادقة نشأت من الحاجة إلى المعنى والاتصال. هي ليست مقدسة، لكنها ليست هامشية أيضا. قيمتها الحقيقية تظهر حين نمتلك الشجاعة لنفهمها، ونفككها، ونختار منها ما يخدم الإنسان اليوم، دون عبادة للماضي ولا إنكار له. عندها فقط يمكن للبلدي أن يكون جسرا بين الذاكرة والنمو، لا ثقلا يشدّنا إلى الخلف ولا زخرفة نعلقها على الجدران
الربيعي الحسن.



