لو عاد محمد الكحص "المناضل والمثقف العضوي" اليوم.. هل سيتعرف على الاتحاد الاشتراكي؟
لو عاد محمد الكحص "المناضل والمثقف العضوي" اليوم.. هل سيتعرف على الاتحاد الاشتراكي؟
بقلم: زايد الرفاعي / ماستر في الصحافة
لو قُدِّر لمحمد الكحص أن يعود اليوم، ولو للحظة واحدة، ويدخل مقرا من مقرات الاتحاد الاشتراكي، هل سيتعرف عليه؟
هل سيجد تلك الرائحة التي كان يعرفها، رائحة الحبر والكتب والقلق النبيل على مصير الوطن؟ أشك في ذلك.
نحن لا نتحدث عن شخص عادي. محمد الكحص لم يكن مجرد عضو مكتب سياسي أو برلماني أو وزير سابق.
كان حالة فكرية داخل حزب وطني جماهيري. كان هو الذي يذكرنا بأن الاتحاد لم يكن مجرد آلة انتخابية، بل كان مدرسة. مدرسة تعلمك أن النضال ليس صراخا في الميكروفون، بل بناء بطيء وصامت لوعي الناس.
لذلك، لم تكن برامجه مجرد أنشطة موازية، عندما أطلق "الجامعات الشعبية"، لم يكن يريد تنظيم ندوات. كان يريد كسر احتكار المعرفة.
كان يريد أن ينزل المثقف من برجه إلى الحي الشعبي. وعندما أطلق "التخييم للجميع والقراءة للجميع" ، لم يكن يوزع خيما وكتبا.
كان يطبق نظريته في الديمقراطية: كيف تطلب من مواطن لم ير البحر في حياته ولم يمتلك كتابا، أن يؤمن بالاختيار الديمقراطي؟ الديمقراطية عنده كانت تبدأ بحق الطفل الفقير في العطلة، قبل حقه في التصويت.
كان يؤمن أن الحزب الذي لا يغير حياة الناس اليومية، لا يمكنه أن يغير الدستور. وأن الشعارات الكبرى إذا لم تتحول إلى خيمة في غابة، وكتاب في يد طفل، وجامعة في حي مهمش، تبقى مجرد كلام.
وهنا نصل إلى سؤاله الذي كان سابقا لعصره، سؤاله الذي كان يطرحه بحرقة المثقف الذي يرى الصورة كاملة: ماذا وقع للسلطة في هذا البلد؟
لم يكن يقصد السلطة بمعناها البدائي، سلطة المقدم والقائد. كان يقصد السلطة كمنظومة قيم. كان يسأل: ماذا وقع لسلطة القانون حتى أصبح يطبق على الضعيف فقط؟ ماذا وقع لسلطة العقل حتى أصبحت الخرافة والشعبوية هي من تحكم الرأي العام؟ ماذا وقع لسلطة الأخلاق؟
لو عاد اليوم، لسأل السؤال نفسه، لكن هذه المرة داخل حزبه.
ماذا كان سيقول وهو يرى الكاتب الأول لحزب بوعبيد واليوسفي، يقف مدافعا بكل حماس عن صفقات دراسات سرية بمئات الملايين، قيل إنها مغشوشة، ولم يطلع عليها حتى أعضاء قيادته؟ أين هي سلطة العقل التي تحدث عنها؟ وأين هي سلطة القانون؟ وأين هي سلطة الأخلاق التي كان الاتحاد حارسها؟
ماذا كان سيقول وهو يرى قيادة تدافع عن الريع والامتيازات بشراسة، أكثر مما تدافع عن المدرسة العمومية والصحة العمومية، ثم تخرج ببلاغ يهدد فيه بإسقاط الحكومة، في مشهد يثير الشفقة؟
إنهم لم يفهموا بعد أن إسقاط الحكومات لا يكون بالبلاغات.
الحكومات تسقطها الأحزاب القوية التي تخيفها بأفكارها وبرامجها الوطنية وقواعدها. أما حزب تحول إلى جهاز للمصالح، فتهديده لا يخيف أحدا.
الحقيقة المرة هي أن الحكومة باقية، لكن الاتحاد هو الذي سقط.
سقط حين تخلى عن مهمته التاريخية في رفع وعي الفقراء، وتحول إلى حزب يبحث عن ريع للفقراء. سقط حين استبدل سلطة الأخلاق بسلطة المال.
لو عاد الكحص، لما وجد حزبه. لوجد بناية تحمل نفس الاسم، لكن الروح غادرتها منذ زمن. ولربما اكتفى بإعادة طرح سؤاله القديم، لكن بصيغة جديدة أكثر وجعا:
ماذا وقع للاتحاد في هذا البلد؟



