مهرجان عيساوة الأخير يلقي بظلاله على مائدة مستديرة بمكناس حول صون أصالة التراث العيساوي
مهرجان عيساوة الأخير يلقي بظلاله على مائدة مستديرة بمكناس حول صون أصالة التراث العيساوي
مكناس – عبد الصمد تاج الدين
احتضن قصر السعادة بمكناس، يوم الأربعاء 26 غشت 2026، مائدة مستديرة حول موضوع «الذكر العيساوي: أصالة التصوف وعمق وتوثيق الذاكرة الروحية»، بمشاركة ثلة من الباحثين والأساتذة والمهتمين وشيوخ الطريقة العيساوية. وقد اكتسى هذا اللقاء أهمية خاصة، بعدما ألقى مهرجان عيساوة الأخير بظلاله على النقاش، وفتح من جديد سؤال الأصالة والضوابط وحدود التجديد في التعامل مع هذا التراث العريق.
وتركز جانب مهم من النقاش على ما آلت إليه ممارسة الفن العيساوي في عدد من المناسبات والأعراس، حيث سجل المتدخلون تنامي ظاهرة الخلط بين العيساوي والكناوي وغيره من ألوان الفلكلور، إلى جانب إدخال إيقاعات وآلات وحركات لا تمت، في نظرهم، إلى أصول هذا الفن بصلة. وأكدوا أن العيساوي ليس مجرد إيقاع أو فرجة، وإنما هو تراث روحي وفني متجذر في ذاكرة أهل الذكر والتصوف بمكناس.
كما أثار المشاركون مسألة اللباس والألوان والأدوات الموسيقية والإيقاعية التي أصبحت تستعمل في بعض المناسبات تحت مسمى العيساوي، معتبرين أن التوسع غير المنضبط في هذه الممارسات يهدد خصوصية هذا التراث ويفتح الباب أمام ممارسات عشوائية قد تؤدي تدريجيا إلى طمس معالمه الأصلية، خصوصا في مدينة ارتبط اسمها تاريخيا "بعيساوة" وأصبحت معروفة بـ«العيساوي النظيف» النابع من الذاكرة الروحية للحاضرة الإسماعيلية.
وكان لمهرجان عيساوة الأخير ،حضور واضح في النقاش، حيث توقف المتدخلون عند طبيعة بعض المشاركات والعروض التي احتضنتها منصته، معتبرين أن التظاهرات الرسمية التي تحمل اسم العيساوة مطالبة باحترام خصوصية هذا التراث، واعتماد شروط دقيقة في اختيار المشاركين، حتى لا تتحول المنصة إلى مجال لخلط أنماط فنية وفلكلورية مختلفة تحت اسم واحد.
وأثار موضوع «الحنديرة»، باعتبارها من أبرز رموز اللباس العيساوي، نقاشا خاصا، حيث عبر المشاركون عن رفضهم لأي توظيف يفرغها من قيمتها الرمزية والتراثية أو يحولها إلى مجرد قطعة لباس عصرية. واعتبروا أن تقديم نماذج مبتورة أو بعيدة عن أصل الزي لا يمكن اعتباره تجديدا فنيا إذا كان على حساب رمزية هذا الموروث، مؤكدين أن الانفتاح والإبداع لا ينبغي أن يتحولا إلى تبخيس للتراث أو المساس بهويته.
وشدد المتدخلون، في ضوء هذه التحولات، على ضرورة وضع شروط وضوابط واضحة لممارسة الفن العيساوي والتعاطي معه، تشمل اللباس والآلات والإيقاعات وطريقة الأداء والطقوس، فضلا عن شروط المشاركة في المناسبات والمهرجانات، مع إشراك شيوخ الطريقة والباحثين والمتخصصين في صياغة هذه المرجعيات.
وفي ختام النقاش، أجمع المشاركون على أن حماية ثرات الفن العيساوي تتطلب الانتقال من مجرد الاحتفاء به في المناسبات إلى إرساء آليات عملية لصيانته وتوثيقه وترسيخ حضوره داخل الحاضرة الإسماعيلية. وفي هذا الإطار، برز مقترح إحداث «دار عيساوة» بمكناس، لتكون فضاء دائما يعنى بجمع وتوثيق كل ما يرتبط بهذا التراث من تاريخ وروايات وطقوس وأزياء وآلات وإيقاعات وذاكرة شفوية، إلى جانب البحث والتكوين ونقل هذا الموروث إلى الأجيال الجديدة.
ويرتبط بمشروع «دار عيساوة» أيضا مقترح إعداد وإصدار كتيب مرجعي يجمع أهم المعطيات المتعلقة بالتراث العيساوي، من جذوره وتاريخه وشيوخه وطقوسه وأزيائه وآلاته وإيقاعاته، إلى قواعد ممارسته ومظاهر تطوره، ليشكل مرجعا للممارسين والباحثين والمنظمين، ويساعد على التمييز بين ما هو أصيل وما هو دخيل على هذا الفن.
وأكد المشاركون أن هذا الورش يتطلب تعاونا بين الباحثين والمؤسسات الثقافية وشيوخ الطريقة والمهنيين والفاعلين المحليين، مع ضرورة جعل مكناس مركزا لحفظ الذاكرة العيساوية وتوثيقها، وإعادة الاعتبار إلى هذا الفن باعتباره مكونا أساسيا من التراث اللامادي والذاكرة الروحية للمدينة.
وخلصت المائدة المستديرة إلى أن الرهان اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم مهرجانات تحمل اسم العيساوة، وإنما يتعين أن ينصب أولا على حماية العيساوي نفسه من التهجين والاختزال والتبخيس.









