سوق الهديم الى اين
سوق الهديم الى اين
يُعتبر سوق الهديم من الأسواق التاريخية بالمغرب، فهو معلمة تجارية وسياحية تعرض مختلف المنتوجات المجالية، وتساهم بقوة في التنمية المحلية. فهو سوق تاريخي وسياحي وتنموي، يشغّل أكثر من ألفي شخص، ويرتاده يومياً مئات السياح والزوار.
بُني السوق سنة 1937، بعد معركة ماء الحلو، أو كما كان يُصطلح عليها «كيرة ماء الحلو»، والتي خلّفت شهداء وجرحى بالعشرات. وقد تلكأ المستعمر في ملء السوق بالتجار إلى غاية سنة 1956، بفعل امتعاضه من مقاومة أهل مدينة مكناس.
وبعد سنة 1956، امتلأ السوق بمنتوجات متنوعة ومجالية، وكان وقتها يشبه الأسواق الكبرى الموجودة حالياً.
وعرف السوق إصلاحات على فترات منذ بنائه، كان آخرها سنة 2018، في عهد مجلس جماعة الدكتور عبد الله بوانو، حيث خُصصت ميزانية قدرها 250 مليون سنتيم لإصلاح السوق، الذي تبلغ مساحته حوالي 1200 متر مربع. وبطبيعة الحال، لم تكن الميزانية كافية لاستكمال الإصلاحات، كما أن الجماعة لم تفِ بالتزامها بالمدة المحددة للأشغال.
فقد تم الاتفاق على أن يستغرق إصلاح كل شطر شهراً ونصف الشهر، لكن، للأسف، دامت الأشغال سبعة أشهر لكل شطر، في غياب التعويض وعدم الالتزام بالمدة المحددة. وعانى التجار من ضغوط مادية كبيرة، أمام متطلبات الحياة والمسؤوليات الأسرية.
وبعد معاناة طويلة، تنفس التجار الصعداء بالعودة إلى دكاكينهم، بينما بقي الشطر الثالث دون إصلاح، كما لم يُستكمل إصلاح الشطر الثاني.
ثم جاءت جائحة كورونا، فعانى السوق من الكساد والإغلاق وضيق ذات اليد. وما إن تنفس التجار الصعداء بعد انتهاء الجائحة، حتى جاء مشروع إصلاح دكاكين ساحة الهديم، لنعود من جديد إلى المعاناة الأولى.
فقد أدى إغلاق أبواب السوق المطلة على الساحة لمدة ثلاث سنوات إلى خنق التجارة وتعميق الأزمة. وبعد إعادة فتح أبواب السوق، بدأ سوق الهديم يستعيد ديناميته المعتادة، رغم إبعاد موقف سيارات الأجرة الكبيرة، وغياب حافلات النقل العمومي، وما لذلك من أثر كبير على الرواج التجاري، إضافة إلى تأخر فتح موقف السيارات بباب الرحى.
إنها مسيرة طويلة من الكدح والمعاناة، اختلط فيها الدمع بالعرق والأمل في مستقبل تجاري أفضل، لكن الخيبة تعود من جديد من خلال موقف رئيس المجلس الجماعي السيد عباس المغاري، بشأن هدم سوق الهديم وإعادة بنائه.
هذا الموقف خلط الأوراق بالنسبة إلى تجار الهديم، خصوصاً أن السوق غير مهدد بالسقوط، وقد تم إصلاحه بشكل جيد، ولم تبقَ سوى بعض التفاصيل المهمة لجعله في حلة جديدة وأفضل.
أما الحديث عن إصلاحات جذرية تستوجب إغلاق السوق، فهو أمر غير واقعي وغير منطقي، لما سيترتب عليه من تشريد للتجار وتعميق لمعاناتهم. والتجار لن يسمحوا بهذا الأمر تحت أي مبرر.
نحن مع استكمال الإصلاحات وتحسين مظهر السوق، ولكن في ظل وجود التجار واستمرار نشاطهم التجاري. أما الحديث عن بناء براريك في ساحة الهديم، أو نقل التجار إلى باب الجديد مثلاً إلى حين انتهاء الإصلاح، فهو، في نظر التجار، رغبة في القضاء على السوق التاريخي وطمس معالمه وتشريد تجاره.
لن نقبل بأن يصبح تجار سوق الهديم مثل عمال سيكوم، نجوب الأزقة بحثاً عن لقمة العيش، أو مثل عمال الحافلات الذين وجدوا أنفسهم في وضعية صعبة، دون حقوق واضحة أو مستقبل مضمون.
وسيخوض التجار معركة حقوقية بكل الوسائل الشرعية والممكنة والمناسبة، دفاعاً عن تجارتهم وسوقهم التاريخي، في ظل التضخم وغلاء الأسعار وتزايد البطالة.
الحل الأمثل هو دعم التجار، وليس هدم السوق. والحفاظ على سوق الهديم وتطويره وإصلاحه، مع استمرار نشاط التجار داخله، هو السبيل الأمثل للحفاظ على هذه المعلمة التاريخية والتجارية والسياحية لمدينة مكناس.



