خطبة جمعة التسديد والتبليغ والتزكية تدعو الى حكامة مساءلة النفس.
خطبة جمعة التسديد والتبليغ والتزكية تدعو الى حكامة مساءلة النفس.
محسن الأكرمين.
في خطبة الجمعة والتي بنتنا نطلع عليها وعلى كل تفاصيلها الكلية قبل صعود الخطيب منبر المسجد. في هذه الجمعة استوقفتني موضوع الخطبة الغراء حول مساءلة النفس وتزكيتها من مفاسد الدنيا، والتي كانت بحق مساءلة فردية وجماعية من داخل مسجد الصلاة. كان خطاب الإمام الجمعة يحمل الدعوة الى التسديد والتبليغ بمحاسبة الذات قبل الآخر، وذلك من خلال نص الخطبة المقرر لنا في هذه الحصة الدينية الوجوبية، لكنه آثر بأن يضيف بعضا من توابل التزكية في المعاملات والعمل، ونماذج إدماجية من الوضعيات الحياتية.
خطب الإمام بالجهر والحزم، وكان خطابه شبيها بالدعوة الى الدخول في الديني الإسلامي لأول مرة، أو أن جل من يستمع إليه أمي في الأحكام الدينية، حتى كدت أنتظر بأن يلقننا الشهادتين قبل إقامة الصلاة. حيث كان يمارس على جلساء المسجد جلد الذات والنفس، وخطاب الترهيب بشدته النارية. وقد عمل على تمطيط الشروحات بالتطويل والشرح، وتكرار المقاصد، وكثرة الاستشهاد، ولم يسلم منَّا أحد حتى شرع في حساب نفسه عمَّا اقترفه من جُرم في حق ذاته وغير وأمته ووطنه، ومحيطه الصغير والكبير.
حينها تحرك مفهوم السؤال بضمائر الغائب المنفصلة ضمن باحة تفكيري، والإمام يزيد من الشرح والدعاء على المارقين بنار جهم، ونحن نقول:" آمين...آمين". كنت أعلم في قرارة نفسي أن هذا الموضوع ذا قيمة معرفية دينية، ومن الفلسفة العقائدية للمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة. كنت أستمع باهتمام للإمام حتى وأنا أجلس في الصفوف الخلفية من المسجد وفي مواجهة مع منبر الامام (العين بالعين). مرات عديدة كنت ألتقط الرؤية منه بأنه يخاطبني بالقصد والتعيين والمجاهرة، وبسؤال: هل سبق لك أن قمت بمحاسبة نفسك في عملك وفي أسرتك وفي مدينتك وفي وطنك وفي مجتمعك وفي محيطك الاجتماعي؟ كان حجم المساءلة يتكاثف على ضميري المنهك، والذي طالما يكون مصدرا حانقا لألمي ووجعي الداخلي. حين تأملت مساءلة يومي هذا، وجدت نفسي في تيه كبير من ذاتي بالهروب الى الأمام والذي يماثل فعل النعامة من خوفها الفزعي. وجدت أن الفكر الحداثي قد أخذ يستنبط من الحرية والعدل والكرامة والمساواة عناصر تفوق مساءلة نفسي الضعيفة والأمارة بالسوء. وجدت أن مساءلة النفس لا تستقيم قوة الا بمساءلة الآخر الظاهر والخفي في صورة التحكم. تيقنت أولا من مساءلة أهل الحل والعقد على تلك الأمانة التي تتوشح بها أعناقهم في تيسير حياتنا الجماعية والفردية وفق مؤشر الجودة والسعادة، بدل صعود مؤشر الاقصاء من استفادة دعم الدولة في إطار مرجعية الدولة الاجتماعية.
في محاسبتي لذاتي توقفت بالمهل الممل، والامام لم يتمم خطبته العذراء بفتوحات التسديد والتبليغ، بأن نفسي تعاني الكفاف في توفير مشتقات الحياة الكريمة. توقفت أن نفسي عليلة تبتغي العلاج ولم تجد فرصة سانحة لأخذ صورة (السكانر) بمستشفى عمومي عن التهاب حاد. تيقنت أن المدرسة العمومية لازالت تماثل تجارب المختبرات عن الصيغة التامة لصناعة الإنسان الصالح الزاهد في الحياة، والزاهد عن مطالب العدل والكرامة الاجتماعية للجميع. هنا التزمت الصمت حتى لا أبيت ممن قال عنهم المأمون:" ومن لغا فلا جمعة له...".
أمهلنا خطيب الجمعة دقيقة صمت بين الخطبتين للتأمل والتزكية، والدعاء للنفس بالإصلاح والصلاح. عند ذاك الصمت الرهيب بالمسجد، إلا من رنين سعال مستديم يأتي من شيخ تآكلت عظامه بالهرم، فكرت بأن هذه الخطبة لا بد أن يتعرض إليها البرلمانيون في قبة البرلمان كنوع من (الكوتشينغ) الديني، الدنيوي قبل التصريح بالممتلكات القانوني. كنت أبتسم بلطف، وأنا أري بنت الصالحين تقول آمين ومن ورائها (32) وزيرا إلا واحدة أعفيت وهم يرددون "آمين...آمين..." وفي خفة من أمرهم التنفيذي ينتظرون حصة الاستراحة، لنفض خطب الدين المعياري بما هم منشغلون به من الدين الاجتماعي، والدنيا التنظيمية.
قد آثر إمام مسجدنا على الإطالة في الدعاء، ونحن نردد خلفه:" آمين...آمين" حينها أيقن أن خطبة التسديد والتبليغ التي اطلعنا عليها مسبقا قد كان لها الأثر والوازع الديني على مسامعنا، ونحن لا نعلم ما غيرت بنفوسنا الذاتية والخفية عن المكاشفة والجهر. نعم مساءلة النفس أو الذات من الحكامة الربانية، والتي لا محيد لنا من ممارستها قبل أن نأوي لفراش النوم، لكن المحاسبة والمساءلة الدنيوية هي من الحكامة الدستورية التي يجب أن تحركها الدولة، والتي هي بالطبع الأكيد والديني أمانة في عنق أهل الحل والعقد. من تم تكون المساءلة العلنية لمن يتولى أمر دنيانا أولا ومنها نتعلم المصداقية، وذلك بملازمة مساءلة النفس الأمارة بالسوء، والتي حاربها الامام في خطبة جمعتنا هذه.


