مجلة العندليب وماجد وقصص جحا.. عندما كانت المدرسة تصنع قارئاً
مجلة العندليب وماجد وقصص جحا.. عندما كانت المدرسة تصنع قارئاً
زايد الرفاعي / ماستر في الصحافة
▪️ كلاسيكيات أدب الطفل
من منا لا يذكر صفحة قصص _جحا_ في مجلة [العندليب] ؟ كان جحا بجلابته القصيرة وحماره العنيد وبسمته الماكرة، هو أول بطل شعبي يدخل القسم دون استئذان. كنا نضحك من حيله مع جاره البخيل، ومن جوابه الطريف للقاضي، ونحن لا ندري أننا كنا نتعلم الحكمة والمنطق والنقد الساخر. جحا في "العندليب" لم يكن مجرد نكتة، بل كان درسا في الذكاء الشعبي، يُقدم بلغة بسيطة ورسوم ساذجة محببة، تجعل الطفل يحفظ القصة ويعيد روايتها لأسرته في المساء. بتلك القصص القصيرة، زرعت المجلة فينا حب المطالعة دون أن نشعر.
في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت للمدرسة الابتدائية المغربية طقوسها الصغيرة التي لا تزال محفورة في الذاكرة. رائحة الطباشير، دفتر المحفوظات، نشيد الصباح، ومجلة «العندليب» التي كان التعاون المدرسي يوزعها داخل الأقسام. لم تكن مجلة عادية تباع في الأكشاك، بل كانت جزءا من الحياة المدرسية نفسها، ينتظرها التلاميذ كما ينتظرون حصة الرسم والأناشيد.
صدرت "العندليب - مجلة التعاون الصغير" لأول مرة سنة 1975 عن جمعية التعاون المدرسي، وكانت بمثابة مشروع تربوي متكامل. ففي مرحلة كانت فيها المدرسة العمومية تؤمن بأن وظيفتها لا تقتصر على تعليم القراءة والكتابة، بل تمتد إلى ترسيخ ثقافة التعاون والتفتح، جاءت المجلة لتجعل من المطالعة فعلا جماعيا ومتعة، لا واجبا للامتحان.
علاقة استثنائية بين التلميذ والمجلة
ما ميز «العندليب» عن غيرها هو تلك العلاقة الحميمية التي ربطتها بالتلميذ. فالتلميذ لم يكن مجرد قارئ، بل كان مساهما محتملا. صفحاتها كانت تفتح الباب أمام رسائله، رسومه، قصصه القصيرة، ومحاولاته الشعرية الأولى. كان يرى اسمه منشورا إلى جانب كتاب كبار، وكانت قصص جحا ونوادره، إلى جانب قصص الأنبياء والحكايات الشعبية، هي المادة المفضلة التي يبدأ بها القراءة.
بين «العندليب» و«ماجد» و«العربي الصغير»
إذا وضعنا «العندليب» في سياقها العربي، فلا بد من مقارنتها بأيقونتين طبعتا طفولة أجيال عربية كاملة: مجلة «ماجد» الإماراتية التي صدرت سنة 1979، ومجلة «العربي الصغير» الكويتية التي صدرت سنة 1986.
«ماجد» كانت مشروع ترفيه صناعي ضخم، بشخصيات كارتونية ثابتة (ماجد، كسلان)، وطباعة فاخرة بالألوان. أما «العربي الصغير» فكانت امتدادا لمدرسة ثقافية راقية، بمقالات علمية مبسطة.
أما «العندليب»، فكانت مختلفة. مجلة فقيرة ماديا، غنية تربويا. لم تكن تملك رفاهية الألوان، لكنها كانت تملك ما لم تملكه الأخريات: الارتباط المباشر بالفصل الدراسي. كانت تتحدث بلهجة الطفل المغربي، عن تعاونيته المدرسية، عن قريته، وعن جحا الذي يشبه جده.
ماذا كان يقرأ التلميذ المغربي غير العندليب؟
لم تكن "العندليب" وحدها، بل جاورتها مجلات شكلت ذاكرة الطفل المغربي مثل مجلة "الأنيس" و"أصدقاء التعاون المدرسي" و"المرشد" ، بالإضافة إلى المجلات المشرقية مثل "المزمار" و"سامر" و"أسامة" .
لكن «العندليب» بقيت هي الأقرب، لأنها كانت تصل مجانا أو بثمن رمزي، وتحمل ختم التعاونية وتوقيع المعلم، وفي صفحتها الأخيرة دائما حكاية جديدة لجحا وحماره.


