وعي المسؤولية وكبرياء الكفاح.. محطات ملهمة من مسار نجم الراب "مسلم"
وعي المسؤولية وكبرياء الكفاح.. محطات ملهمة من مسار نجم الراب "مسلم"
بقلم: آية الأجراوي
لم تكن حكايات النجاح يوماً مجرد ضربات حظ عابرة، بل هي في جوهرها فصول متلاحقة من الصمود ومواجهة شرسة مع منعرجات الحياة. وفي المشهد الفني المغربي، تظل تجربة الفنان "مسلم" واحدة من أكثر القصص إلهاماً؛ كونها لا تمثل نجاحاً فنياً وحسب، بل تختزل مسيرة كفاح إنساني نبيل صنع في قوالب الاعتماد على الذات وعزة النفس، ليتحول من شاب واجه قساوة اليتم مبكراً إلى رمز للأغنية الهادفة وصوت يعبر عن الواقع الاجتماعي.
وفي هذا السياق، استعاد الفنان "مسلم" في أحد حواراته في برنامج تلفزيوني ذكريات تلك البدايات التي لم تكن تشبه نهاياتها البراقة؛ حيث كشف أنه كان تلميذاً متميزاً يتلمس خطاه الأولى بكثير من التفوق على مقاعد الدراسة الابتدائية، محتلاً دائماً الصفوف الأولى ، مدفوعاً بشغف الطموح الصغير. غير أن الأقدار كانت تخبئ له منعرجاً حاسماً؛ فمع وصوله إلى السنة الثامنة من التعليم الإعدادي، غيّب الموت والده وسنده في الحياة، لتنقلب الموازين رأساً على عقب، وتتداخل حرقة الفقد بمرارة الوعي المبكر بعبء المسؤولية الأسرية.
أمام هذا المنعطف المفصلي، وجد الشاب اليافع نفسه مجبراً على اتخاذ قرار يفوق سنوات عمره، مضحياً بمساره الدراسي ومغادراً فصول التحصيل تلبية لنداء الواجب والكرامة، وبحثاً عن قوت يوم يصون به كبرياء أسرته. ولم يكن أمامه في تلك المرحلة سوى الارتماء في أحضان العمل اليدوي، ممتشقاً حرفة "النجارة" كخيار أساسي يواجه به تحديات الواقع الجديد.
وشكّلت مرحلة العمل في ورشات النجارة محطة أساسية في بناء شخصية الفنان العصامية؛ إذ لم تكن تلك السنوات مجرد وسيلة لتأمين القوت اليومي، بل تحولت إلى مدرسة حقيقية لتعلم قيم الصبر والانضباط. وفي هذا السياق، تجسدت المقولة المغربية المأثورة "الحرفة إيلا ما غنات تستر"، لتؤكد أن الصنعة اليدوية كانت بمثابة حصانة اجتماعية صانت كرامته في مرحلة الشباب، ومنحته أبعاداً فكرية وإنسانية انعكست بشكل جلي على مضامين أعماله الفنية لاحقاً.
إن الأهمية العميقة في قصة كفاح هذا الفنان لا تكمن في وصوله إلى منصات التتويج وأضواء الشهرة فحسب، بل في تلك العصامية الفذة التي تجعل من إرادة الإنسان نموذجاً يحتذى به. لقد أثبت "مسلم" أن النبل الحقيقي يكمن في الشجاعة والقدرة على تحمل المسؤولية في أحلك الظروف، وأن الهزيمة النفسية هي الخيار الوحيد الذي يجب رفضه.
اليوم، حين يعتلي "مسلم" كبرى المسارح وتُصفق له الجماهير، فهو لا يقدم فنا مجردا، بل يجر وراءه تاريخاً من الصمود، محولا تجارب الماضي ومحطات الكفاح الأولى إلى طاقة إبداعية تلهم جيل الشباب، مبرهناً على أن الوفاء للجذور والبدايات البسيطة هو المبتدأ والمنتهى في صناعة الفنان الحقيقي.



