مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
تحرير رأسمال الصيدليات بالمغرب: هل نحن أمام نهاية الخدمات الصحية للقرب وولادة “الصحاري الدوائية”؟
مغرب المواطنة2026-02-25 10:46:06
للمشاركة:

تحرير رأسمال الصيدليات بالمغرب: هل نحن أمام نهاية الخدمات الصحية للقرب وولادة “الصحاري الدوائية”؟

تحرير رأسمال الصيدليات بالمغرب: هل نحن أمام نهاية الخدمات الصحية للقرب وولادة “الصحاري الدوائية”؟

بقلم : سعد بحاجي رئيس الغرفة النقابية لصيادلة مكناس الكبرى و النواحي، عضو بالفيدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب

تعيش مهنة الصيدلة بالمغرب أخطر مرحلة في تاريخها المعاصر. لم يعد الأمر مجرد نقاش تقني حول هوامش الربح أو أثمنة الأدوية، بل أصبح يتعلق بوجود المهنة وهُويتها ذاتها. نحن أمام مشروع متكامل تقوده لوبيات اقتصادية تسعى إلى تحرير رأسمال الصيدليات بشكل كامل، وتحويلها من مؤسسات صحية ذات رسالة إنسانية واجتماعية إلى مجرد شركات تجارية تدار بمنطق ربحي محض ورأسمالية متوحشة.


إن ما يثار اليوم تحت ذريعة “تحرير الرأسمال” و”إنشاء سلاسل الصيدليات” هو في الحقيقة إنذار خطير بانهيار منظومة صيدلانية برمتها كانت على الدوام نموذجا للنجاح في ضمان خدمات القرب الصحية. هذا التوجه، الذي تتبناه بعض المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها مجلس المنافسة، يتم بدون أي مقاربة تشاركية حقيقية مع رجال ومهنيي القطاع، الذين فوجئوا باستبعادهم من الاجتماعات الحاسمة .
إقصاء ممنهج للحوار ومؤشرات خطيرة على نوايا مبيتة
لقد شكل استبعاد التمثيليات النقابية الوطنية من الاجتماع الثاني الذي عقده مجلس المنافسة مؤخرا صدمة كبرى، وفضح حقيقة التعامل مع المهنيين. كيف يمكن لمؤسسة دستورية أن تتبنى أسلوبا إقصائيا بهذا الشكل، متنكرة للوعود التي قطعتها في اجتماعات سابقة؟ إن هذا السلوك يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن القرار قد اتخذ بشكل انفرادي، وأن مسلسل “الحوار” لم يكن سوى ستار من الدخان لإضفاء شرعية زائفة على خيارات ايديولوجية محضة تخدم مصالح لوبيات مالية على حساب صحة المواطن .


من صيدلي مهني صحة إلى موظف لدى رأس المال
الخطر الأكبر يكمن في تحويل الصيدلي من مهني صحة متحرر، يتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة تجاه المريض، إلى مجرد موظف أو تابع لقرارات مستثمر لا هم له سوى تعظيم الربح. الصيدلي في المغرب، بحكم تكوينه العالي (دكتوراه) وقسمه المهني، هو خط الدفاع الأول عن صحة المواطن، يقوم يوميا بدور مجاني في تنقية الوصفات الطبية، وتصحيح الأخطاء، وتقديم الاستشارة والنصح، ونصح المرضى ومرافقتهم. كل هذه الأدوار الإنسانية والاجتماعية ستُطوى وتندثر إذا تحولت الصيدلية إلى “متجر دواء” تديره شركة مساهمة هدفها الوحيد هو تحقيق أرباح للمساهمين .
النموذج الاقتصادي للصيدليات المستقلة مهدد بالاندثار


إن الحديث عن وجود اختلالات في النموذج الاقتصادي للصيدليات هو حديث صحيح، لكن العلاج الذي يقترحه مجلس المنافسة يشبه جراحا يريد معالجة كسر في الرجل ببترها. المشكلة الحقيقية ليست في كون الصيدلية مملوكة لشخص ذاتي، بل في تدهور هامش الربح، وارتفاع كثافة العرض بشكل غير متوازن، وانتشار الممارسات غير القانونية لبيع الأدوية، وغياب المراقبة الفعالة للسوق، وهو ما يعترف به مجلس المنافسة نفسه في تقاريره .
فتح الرأسمال أمام المستثمرين لن يحل هذه المشاكل، بل سيزيدها تعقيدا. فالمستثمر، بطبيعته، سيبحث عن المناطق الأكثر ربحية (المدن الكبرى والأحياء الغنية) ليتمركز فيها، تاركا المناطق القروية والهامشية فريسة لما أسمته إحدى الهيئات الحقوقية “الصحاري الدوائية”. هذه هي النتيجة الطبيعية للمنطق الرأسمالي المتوحش: خدمة السوق أولا، وخدمة المواطن أخيرا .
التجارب الدولية الفاشلة وضرورة السيادة الصحية
يتم الترويج لهذا المشروع باسم “التجارب الدولية” و”المعايير المقارنة”. لكن أي تجارب نقصد؟ هل هي تجارب الدول التي عادت أدراجها بعد أن أدى احتكار سلاسل الصيدليات الكبرى إلى ارتفاع جنوني في أسعار الأدوية وتراجع كبير في جودة الخدمات الصحية؟ إن النموذج الصيدلي المغربي القائم على صيدلي مستقل وموزع بالتساوي على التراب الوطني هو مكسب ثمين يجب الدفاع عنه، فهو ضمان للسيادة الصحية للبلاد ويحمي الأمن الدوائي الوطني من السقوط في قبضة احتكارات قليلة تتحكم في السوق .
لن نقبل بالمساومة على صحة المغاربة
نيابة عن كافة صيادلة مكناس الكبرى والنواحي، وباسم زملائي أعضاء الغرفة، نعلن رفضنا القاطع لهذا التوجه الخطير. إن محاولة تمرير مثل هكذا مشاريع مصيرية خلف ظهور المهنيين، وبأسلوب إقصائي، هي وصمة عار في جبين أي مسلسل تشاوري.
لقد آن الأوان لنقولها بصوت عال وواضح: لن نسمح بتحويل مهنتنا إلى سلعة، ولن نسمح بتحويل صحة المغاربة إلى مجال للربح السريع للوبيات المالية.
التلويح بكل الأشكال النضالية المشروعة
إن صبر المهنيين بدأ ينفد،' والخيارات أصبحت محدودة. أمام هذا الاستهتار بمصير مهنة عريقة تخدم الملايين من المغاربة، نعلن تمسكنا بحقنا الدستوري في الاحتجاج والمقاومة. إننا نرفع الورقة الأخيرة، ورقة الدفاع عن المهنة والمواطن:
1. ندعو إلى عقد جمع عام استثنائي طارئ لصيادلة الجهة لتدارس الوضع واتخاذ الموقف الموحد والحازم.
2. نعلن رفع درجة الاستعداد القصوى تحسبا لأي تطورات.
3. نحمل الحكومة والسلطات التشريعية المسؤولية الكاملة عن أي تبعات لتمرير هذا المشروع بمعزل عن مهنيي القطاع.
4. نلوح بكل الأشكال النضالية الممكنة والمشروعة، وفي مقدمتها خوض إضرابات جهوية ووطنية، وتنظيم وقفات احتجاجية حاشدة، واللجوء إلى كافة المساطر القانونية لوقف هذا النزيف، وذلك حفاظا على استقرار مهنة الصيدلة وأدوارها الصحية والاجتماعية، وصيانة لحق المواطن المغربي في صحة آمنة وعادلة .
إن معركتنا ليست معركة فئوية ضيقة، بل هي معركة وطنية كبرى من أجل الحفاظ على النموذج المجتمعي لدولة اجتماعية تحمي صحة مواطنيها، وتصون كرامة مهنييها، ولا تترك مصيرهم لمنطق السوق الجشع. التاريخ سيحكم علينا جميعا، ونحن نختار أن نكون في الجانب الصحيح من التاريخ، مدافعين عن الإنسان أولا وقبل كل شيء.
عن الغرفة النقابية لصيادلة مكناس الكبرى و النواحي
رئيس الغرفة النقابية. الدكتور الصيدلاني: بحاجي سعد.

تحرير رأسمال الصيدليات بالمغرب: هل نحن أمام نهاية الخدمات الصحية للقرب وولادة “الصحاري الدوائية”؟

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: