كرة القدم… من أداة إلهاء إلى رافعة صحة وتماسك اجتماعي
كرة القدم… من أداة إلهاء إلى رافعة صحة وتماسك اجتماعي
بقلم: عبد الحكيم الناصف بوروايل
أحترم العمق النقدي الذي يطرحه النص حول تحويل كرة القدم إلى صناعة إلهاء كوني، كما أتفق مع التحذير من استغلالها إعلاميًا لصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية كالصحة والتعليم والكرامة الاجتماعية. غير أن تعميم هذا الحكم، في نظري، يُقصي وجهًا آخر لا يقل أهمية: الرياضة كقيمة صحية وتربوية ونفسية ومجتمعية.
فالرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، ليست نقيضًا للعقل أو بديلاً عن التفكير، بل هي في جوهرها أساس من أسس الصحة العامة. والعقل السليم – كما هو معلوم – لا ينفصل عن الجسم السليم. مجتمعات بلا ممارسة رياضية هي مجتمعات أكثر عرضة للأمراض المزمنة، والاكتئاب، والعنف، والانحراف.
ثم إن الذكاء التفاعلي والاجتماعي الذي تخلقه الرياضة، خاصة لدى الشباب، يساهم في الوقاية من آفات خطيرة: تعاطي المخدرات، الكحول، الانزلاق نحو الرذيلة، والانغلاق العدمي. الملاعب، حين تُؤطر تربويًا، ليست فضاءات تخدير، بل مساحات تفريغ إيجابي للطاقة وبناء للانضباط، والعمل الجماعي، واحترام القواعد.
أما التفرج على كرة القدم، فيجب وضعه في سياقه الطبيعي: هو ترفـيه مشروع، ووسيلة نفسية للابتعاد عن الضغط اليومي (stress)، وعن قسوة الواقع المعيشي، وليس بالضرورة استسلامًا أو غيابًا للوعي. الإنسان ليس آلة تفكير دائم، بل كائن يحتاج إلى الفرح، إلى الانفعال، إلى لحظات جماعية يتقاسم فيها المشاعر.
الإشكال الحقيقي لا يكمن في كرة القدم ذاتها، بل في غياب التوازن:
حين تُستعمل الرياضة بديلاً عن السياسات العمومية، فهذا انحراف.
وحين تُستثمر الرياضة مكمّلًا للصحة، والتعليم، والتماسك الاجتماعي، فهذا ربح جماعي.
لا يمكن لهدف كروي أن يُصلح مستشفى، نعم.
لكن لا يمكن أيضًا لمجتمع مُجهَد، بلا متنفس، أن يُنتج وعيًا صحيًا أو فعلًا ديمقراطيًا مستدامًا.
الدول تتقدم بالعلم والعمل، نعم،
لكنها كذلك تتقدم بأجساد سليمة، ونفوس متوازنة، ومجال عمومي فيه فرح منضبط لا فراغ قاتل.
فلننتقد التوظيف الإعلامي المفرط،
لكن دون أن نُجرّم الرياضة،
ودون أن نحوّل الفرح الإنساني إلى تهمة.
الكرة ليست أفيونًا في ذاتها،
إنها أداة…
والفارق دائمًا في من يستعملها؟ ولماذا؟ وكيف؟



