مغرب المواطنة مدير النشر: خالد الرحامني / E-mail: info@mouatana.com
السنة الأمازيغية: من تقليد اجتماعي إلى مكوّن وطني معترف به
مغرب المواطنة2026-01-14 17:35:55
للمشاركة:

السنة الأمازيغية: من تقليد اجتماعي إلى مكوّن وطني معترف به

السنة الأمازيغية: من تقليد اجتماعي إلى مكوّن وطني معترف به

بقلم : اباحو اسامة

في كل مطلع سنة أمازيغية، لا يقتصر الاحتفاء على مجرد عبور زمني من عام إلى آخر، بل يتجدد سؤال الذاكرة والهوية في المغرب، ذلك البلد الذي تشكّل عبر قرون طويلة من تفاعل الإنسان مع الأرض، ومن تداخل الحضارات واللغات والثقافات. فالسنة الأمازيغية ليست رقماً في تقويم فلاحي فقط، بل هي أثر عميق لوعي جماعي قديم، حافظ على نفسه في تفاصيل الحياة اليومية، في الطقوس، في الأغاني، في الأمثال، وفي علاقة الإنسان المغربي بالأرض والفصل والمناخ.
يرجع التقويم الأمازيغي إلى آلاف السنين، مرتبطاً بالزراعة ودورة الفصول، حيث كان الأمازيغ يؤرخون للزمن انطلاقاً من الفعل الإنساني المنتج، من الحرث والحصاد، ومن انتظار المطر ووفرة الخير. ومن هنا، اكتسبت السنة الأمازيغية بعدها الرمزي، باعتبارها تقويماً للحياة أكثر منها تقويماً للسلطة أو الملوك. إنها ذاكرة الأرض وهي تُكتب بلغة الجماعة.
وقد شكّل خطاب جلالة الملك محمد السادس بأجدير محطة مفصلية في إعادة الاعتبار الرسمي للثقافة الأمازيغية، حين أكد بوضوح أن الأمازيغية رصيد مشترك لجميع المغاربة، دون استثناء، وأنها مكون أساسي من مكونات الهوية الوطنية الموحدة. ذلك الخطاب لم يكن مجرد إعلان سياسي، بل كان لحظة مصالحة تاريخية مع جزء عميق من الذات المغربية، وترسيخاً لفكرة أن التعدد لا يناقض الوحدة، بل يغنيها ويقويها. من أجدير، أُعيد فتح باب النقاش العمومي حول الهوية، ليس بمنطق الإقصاء، بل بمنطق الإدماج والإنصاف.
وتُوّج هذا المسار بدسترة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية، في خطوة حملت دلالة رمزية وقانونية قوية، نقلت الأمازيغية من فضاء الذاكرة الشفوية إلى أفق المؤسسة والقانون. ولم تعد الأمازيغية لغة البيت والقرية فقط، بل صارت لغة المدرسة والإدارة والإعلام، في مسار تراكمي ما يزال يتطلب إرادة مستمرة لتفعيله وترسيخه في الحياة العامة، بما يضمن لها الحضور الفعلي لا الرمزي فحسب.
إن الحديث عن الأمازيغ هو حديث عن عمق تاريخي إنساني ممتد في شمال إفريقيا، حيث ساهم الأمازيغ، عبر تفاعلهم مع الفينيقيين والرومان والعرب، في بناء نموذج حضاري مغربي فريد، يقوم على التعدد والتلاقح. ومن أبرز الأمثلة على هذا الدور الحضاري، مساهمة الأمازيغ في الحضارة الأندلسية، حيث كان القادة والمحاربون الأمازيغ جزءاً أساسياً من الفتح الإسلامي للأندلس، وأسهموا في نقل المعمار، والزراعة، والفنون، والمعرفة العلمية من المغرب إلى الأندلس، ما جعل جذور هذه الحضارة تمتزج بامتدادها الأمازيغي.
ومن الريف، حيث الجبل يعانق البحر وتتشكل شخصية الإنسان في صلابة المكان، مروراً بجبال الأطلس المتوسط، حيث القرى المعلقة على سفوح الذاكرة، وحيث تستمر العلاقة الحميمة بين الإنسان والغابة والماء، وصولاً إلى سوس العالمة، التي أنجبت الفقهاء والتجار والرحالة، يتجلى الأمازيغ في تنوعهم اللغوي والاجتماعي والثقافي. أمازيغ الريف، وأمازيغ الأطلس، وأمازيغ سوس، يختلفون في اللسان والعادات، لكنهم يلتقون في جوهر واحد: الانتماء إلى أرض صاغتهم كما صاغوها.
ولا يمكن الحديث عن المغرب الثقافي دون استحضار الروافد العربية التي أسهمت في تشكيل المجال الديني، واللغوي، والأدبي، منذ قرون، حيث انصهرت العربية في السياق المغربي، واكتسبت خصوصيتها في اللسان، والفقه، والعمران، والتقاليد. وإلى جانب ذلك، يشكّل الرافد الإفريقي عنصرًا لا يقل أهمية، سواء عبر الطرق التجارية القديمة، أو عبر التبادل الإنساني والثقافي، الذي انعكس في الإيقاعات الموسيقية، والرقصات، وبعض الطقوس الشعبية، خاصة في مناطق الجنوب والوسط. هذا التداخل لم يكن يومًا عارضًا، بل أسهم في تكوين مغرب متعدّد الوجوه، موحّد الروح.
في هذا السياق الواسع، تبدو السنة الأمازيغية جزءًا من مشهد أكبر، مشهد مغربٍ اختار، عبر تاريخه، أن يكون فضاءً للقاء لا للإقصاء، وللتراكم لا للقطيعة. فالتنوع الثقافي في المغرب ليس فسيفساء متجاورة فحسب، بل بنية حيّة، تتفاعل مكوّناتها وتغتني ببعضها البعض، في إطار هوية وطنية جامعة.
وهكذا، فإن الاحتفاء بالسنة الأمازيغية، إلى جانب الاعتراف بالروافد العربية والإفريقية، يعبّر عن وعي متقدّم بأن قوة المغرب تكمن في تعدّده، وأن هويته ليست أحادية ولا منغلقة، بل مفتوحة، دينامية، وقابلة للتجدد. مغربٌ تُكتب هويته من الجبل إلى الصحراء، ومن الساحل إلى الواحة، بلغات متعددة، وذاكرة واحدة، ومستقبل مشترك.

السنة الأمازيغية: من تقليد اجتماعي إلى مكوّن وطني معترف به

 

مغرب المواطنة
للمشاركة: