أبحث عن مدينة الجن والملائكة !!!
أبحث عن مدينة الجن والملائكة !!!
محسن الأكرمين.
مدينة الجن والملائكة !!!
في مدينتي نصنع من خلافاتنا عُقدا متتالية، ولا نقدر حتى على إبداع حلول سليمة ذات أهمية. في مدينتي نتناول الحبوب المسكنة يوميا في الأخبار الصادقة، وفي هوامش التفاهة والبلاهة المستعرضة بامتياز، وقد تكون تلك الحبوب مخدرة ومنومة لهرمون التساؤل واستحداث المطالب العادلة.
في مدينتي يمكن أن نبتكر عملة رائجة تماثل (بيتكوين) من فراغاتنا المميتة (مَا كَايَنْ مَا يَدَارْ)، ونتعايش معها بالصحبة والاندماج، ونصبح مثل مهرجي السرك نتزين بالتلوين والرقص السياسي البليد. في مدينتي يمكن أن يحتفلوا بموتك بـتناول وجبة (بسطيلة سمك أبيض) في العزاء، ومكبرات صوت المسمعين الجدد، وأنت في حياتك كنت لا تجد حتى من يدعمك نفسيا ضد الألم، أخذ حقنة دواء !!! في مدينتي يمكن أن يتقاسم حضور المأتم حديث نميمة مناقبك بالتفريط السلبي والتشريح الممل، ثم يختموه بالدعاء وقول: آمين ثلاثا (رحمه الله برحمته).
في مدينتي يمكن أن تغيب شمس صباح ليلة ونحن لازلنا نمارس دعاء انتظارية إصلاح التمكين البعيد عن مدارج التنمية الحقيقية.
في مدينتي ما يزيد عن نصف قرن ونحن نكرر نفس المطالب حتى من جيل ما خفي منها أيام (الجمر والرصاص)، نمارس سياسة القيام و القعود، نمارس التشخيص خلف أي استحقاق انتخابي، ونحن مع الحلم في انتظار قطار(غودو) !!! في مدينتي قضينا خمسين سنة وتزيد بعقد زمن في غرفة الانتظار، لكنا لازلنا نكرر: من (56) ... ما شفنا والوا... !!!
في مدينتي لست سادتي الكرام... محبا للاختصار، ولا سرقت لقمة خبز من فم جائع، ولا قتلتُ نملة سيدنا سليمان بدون انتباه !!! في مدينتي رؤيتي تتحدد في أن السلمية والإصلاح المتواصل رمز العقلانية والتقدم نحو الأمام، وبلا عوارض عكسية مضادة !!! في مدينتي تعرفني أشجار الزيتون وحمام برج (باب كبيش وبرج الثعالب) بالاسم والنسب. في مدينتي نتداول حوادث القتل واستعادة الجريمة (الشعبية) تحت حضور مميز من العيون الآلية الجديدة. في مدينتي يُفرخ الوسواس المرضي البوليميك (الخَاوِي)، ونحن لا نقدر على العلاج جراء انفصاد (سكانير) كرامة ساكنة، وغياب حكامة تخطيط.
مدينة يتوقف التاريخ فيه عن العد التصاعدي.
في مدينتي لازالت ذات الموضوعات السياسية تتكرر بحضور الثرثار ومحب الاختصار !!! ونحن نتحدث تثمين التراث (بالتجديد) ولا نفقه البتة في التاريخ والبدايات الطينية لا الحجرية. في مدينتي يصدر أنين انحباس حلم المستقبل في زاوية حادة على مدى الأجيال القادمة، مادام الجيل القديم أصبح من عينة (بيريمي) وقتل التنمية !!! وبات يُعيد الذكريات الذهبية لا حلم مدينة الحداثة والمستقبل.
في مدينتي انحسار التفكير الجماعي بالتقوقع النفعي كَأَنَّ زكاة خلافاتنا بتقدير الثمن لا بالعشر التزكية. في مدينتي حين تكتب بالتفاهة والبلاهة تَلقى المعجبين يوزعون عليك(جيم ) بالعطاء الوفير وكلام مديح من صانعي أبراج السداجة. في مدينتي لا نستفيق نهارا لجدوى التنمية، ويمكن أن نصنع الحدث ليلا وتلوكه الألسن النتنة من تحت أقبية الحفر الليلية.
في مدينتي لا نبحث عن الحاضر ولا عن المستقبل، بل نعيش مع استهلاك مآسي وألم ذكريات التاريخ بحروف الجر والتبعية. في مدينتي حياة الحرية يتيمة الكرامة ولا نستفيق لها نهوضا، بل نلازم مضغ علكة ألسن الطواحين الهوائية التي لا تنتهي ولن تنقضي. في مدينتي يسقط حلم حب المدينة وتبقى بشاعة الحقد قائمة بين الفرقاء المتناحرين.
مدينة قفا نبكي من ذكرى تاريخ مجيد...
في مدينتي لن تعيش الهذيان من شدة حرارة الجسم، بل يمكن أن تعيش الهذيان (التَّهَرْتِيلْ) من سوء وضعيتها الاجتماعية والسياسية والمدنية. في مدينتي يمكن أن تعيش زمن أصنام سيدنا إبراهيم التي لا تتكلم البتة، بل تدبر عش العنكبوت الذي ضرب على النهضة بالنسيج الوضيع.
في مدينتي نبتسم للجميع ونبكي خفية وخيفة، و يمكن أن نختلس النظر من تحت النظارات السميكة دون قراءة المعودتين من ذات العيون الجاحدة !!! في مدينتي يمكن أن تنزل ساحة الحرب الدروس السياسية بدون أسلحة فتاكة، ولكن بولاءات الزعامات القائمة والتي لا تنام ليلا.
في مدينتي أفضل هبة من الله أننا نتناسى يومنا وطعامنا عند غروب كل شمس ونخلد لنوم الفائزين (بقصيدة إيليا أبو ماضي/ ابتسم !!!). في مدينتي نعمة النسيان أضحت تُبدع لنا قناعة جديدة تتمثل في التخلي عن أفق الحاضر و حلم المستقبل !!!
مدينة تتحرك بعلامات قف STOP.
منذ أن ذكرت صفات مدينتي... و أنا لم أعلم عمَّا هي؟ وما اسمها؟ وما رتبتها في خريطة التنمية الوطنية؟ لأن (ما) يمكن أن تكون لغير العاقل، لذا من المعقولية أن أقول: من هي مدينتي؟ لتكون للعاقلين فقط وليس للجاحدين من أبنائها. لم أتعرف لا على مكوناتها الإنمائية ضمن حوض الجهة والوطن، ولا عن قوتها الوظيفية بالتثمين والتسويق الأمثل.
والله لحد الآن، شعرت أن تفكيري قد أصابه الخرف بالسبق، ولا يدري عن أي مدينة هو يتحدث؟ سادتي الكرام ... أعينوني، أفيدوني من فضلكم عن أي مدينة كتبت؟ يا سادتي الكرام مسقط رأس مدينتي الماء (لحلو) الذي انقطع عن صهريج سواني ... فهل واحد من بينكم يا سادتي الكرام يعرف أين يقع منبع وادي الماء (لحلو) المسروق عنوة من المدينة ؟ هل واحد من بينكم يا سادتي الكرام أدمن على هواء وتربة وماء وشمس المدينة؟ لؤلؤة بحق... هي مدينتي... وليست ككل المدن، هي مكة و ناس؟



