من مولاي الشريف بن علي إلى جلالة الملك محمد السادس: الذاكرة التاريخية رافعة للتربية المواطِنة بإقليم تاونات
من مولاي الشريف بن علي إلى جلالة الملك محمد السادس: الذاكرة التاريخية رافعة للتربية المواطِنة بإقليم تاونات
بقلم برحايل عبد العزيز.
احتضن فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بإقليم تاونات، يوم الأربعاء 8 يناير، نشاطًا وطنيًا متميزًا، نظمه قطاع التكوين المهني وإنعاش الشغل بشراكة مع فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، في إطار مبادرة تربوية تروم تحسيس المتدربين بأهمية تاريخهم الوطني وترسيخ قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية المغربية.
وقد شكّل هذا اللقاء لحظة استثنائية بكل المقاييس، لما حمله من أبعاد تربوية وثقافية ورمزية، تؤكد أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد استحضار للماضي، بل ركيزة أساسية لبناء المواطن الواعي والمسؤول، خصوصًا فئة الشباب الذين يُعوَّل عليهم في صناعة مستقبل الوطن.
ومنذ الوهلة الأولى، حرص القائمون على تنظيم هذا النشاط على أن يكون فضاء اللقاء مشحونًا بالدلالات التاريخية، حيث زُيّنت قاعة الاجتماعات بصور ملوك الدولة العلوية الشريفة، مرتبة وفق تسلسل تاريخي دقيق، من السلطان مولاي الشريف بن علي، مؤسس السلسلة العلوية، وصولًا إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. وقد أتاح هذا التنظيم البصري للمتدربين فرصة الاطلاع على استمرارية الدولة المغربية ووحدة نظامها السياسي عبر العصور.
وقد أشرفت على هذا اللقاء مؤرخة بارزة، قدّمت عرضًا تاريخيًا معمقًا حول مسار الدولة المغربية، من خلال سرد بيداغوجي رصين ومؤثر، جعل من التاريخ مادة حية تُعاش ولا تُلقَّن. فقد استطاعت، بأسلوبها البلاغي وحسها الأكاديمي، أن تقود المتدربين في رحلة تاريخية استحضروا من خلالها محطات مفصلية من تاريخ المغرب، وتلمّسوا عن قرب خصوصية التجربة العلوية ومكانتها الاستثنائية في التاريخ السياسي للمملكة.
هذا البانوراما التاريخي للملوك العلويين لم يكن هدفه مجرد تقديم معطيات تاريخية، بل سعى بالأساس إلى غرس إحساس عميق بالانتماء الواعي؛ انتماء متبصر، ذكي، ومبني على فهم راسخ لمسار دولة ضاربة في عمق التاريخ، قدّمت عبر قرون طويلة تضحيات جسامًا، وبذلت جهودًا متواصلة للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها وسيادتها.
وقد تميز السرد التاريخي ببلاغة عالية وحسن إيصال، مكّن المتدربين من عيش التاريخ وكأنه حاضر بينهم، وهو ما أضفى على اللقاء طابعًا تفاعليًا لافتًا، وأبرز بجلاء أن الملكية العلوية ليست فقط نظام حكم، بل مؤسسة تاريخية متجذرة، شكلت عبر الزمن صمام أمان الأمة وضامن استمرارية الدولة.
وتندرج هذه المبادرة في إطار ما يمكن تسميته بـ البيداغوجيا المواطِنة في معناها النبيل؛ بيداغوجيا تُربي قبل أن تُعلِّم، وتغرس في النفوس حب الوطن، والاعتزاز بالانتماء، والوفاء للثوابت الوطنية، وفي مقدمتها النظام الملكي، الذي ظل عبر التاريخ عنوانًا للحكمة والاستمرارية والتلاحم بين العرش والشعب.
إن ما شهده فضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بإقليم تاونات في هذا اليوم المتميز، يُعد نموذجًا يُحتذى به، ودعوة صريحة إلى تعميم مثل هذه المبادرات داخل مختلف مؤسسات التكوين والتعليم، لأن المغرب اليوم في حاجة ماسة إلى مواطن متجذر في تاريخه، واعٍ بقيمه، وفخور بهويته وانتمائه.
فالتاريخ، حين يُقدَّم بهذا الوعي وبهذا العمق، لا يكون مجرد ذاكرة، بل يصبح مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان وصناعة المستقبل








