تفكير إسراء بين بحر و سماء.

شارك

تفكير إسراء بين بحر و سماء.

دخان سيجارة،
النفس الزائد من الحياة نفخه من دخان سيجارة سكن صدره علوا، النفس المتبقي بدأ يحرك في عيونه نظرات علوية للأفق المترامي بلا حدود متناهية. في السماء وجد ضالته للشكوى وحكي الأنين، في السماء ممكن أن يتابع متموجات ذلك الدخان الخارج من صدره بحرقة الحرارة. بين زرقة بحر ولون سماء به تناغم وتلاصق بأطراف النهاية. حينها تمثًل له البحر سماء علوية، وفكر في تجربة سباحة الطيران عبر عوالمها الفضائية، لم تمهله عيناه بل ارتدت طرفا مسرعا، وتركت للمخيلة تلتقط مستويات سباحة الطيران، بلا خوف سقوط قاتل. حلم طيران حر كان يراودنه في أحلام السرير الليلية، بات اليوم في المتناول بين ملتقى برزخ بحر وسماء.

طيور نوارس،
لم يكن يعلم من فضاء سماء بحر إلا أنها ملك للنوارس وهي تطير بحرية ولا جواز سفر. اليوم هو يحلق بجانبها يسكن أرضها الجوية، يطير منتصب القامة، ينظر إلى اتحادها وألفتها الجماعية وكلامها الوحدوي، اليوم يطير بروح تفكير معها ولا ينوي شر القتل بها. حين تاه في سماء البحر أرشدته تلك الطيور إلى بر الأمان السالم. جالسته واستمعت إليه بآذان صاغية، كان حينها مفرط السرور، لمن يلتقط سماع حروفه الواهية و المتلاشية، كان يحس بنكهة فرح عارمة خارج صدره وهي تجالسه على رمز طاولة مستديرة.

فجر شهرزاد،
حين تكلم بداية، كان كلامه حارقا، كان الكلام متقطعا و متلعثما، حمل الكلام بقايا دخان من سيجارة سمراء سكن بصدره لمدة زمن غير محصي العوالم. ابتسم كبير النوارس ورحب به ضمن سماء زرقة بحر، ألح عليه برفق على صب كل المحتويات السالبة بالحكي والحديث الممل، أشعل مدفئة كانت نارها من نار الزمهرير الذي لم يلمس إبراهيم بالحرق، نار فاتنة الإشعاع لتحرق كل ترسبات وتكلسات تلك الذكريات الآتية من الحياة الماضية. حين أحس براحة تفكير وهدوء نفسي، حين حملقت عيناه بكل أطراف المائدة اعتدلت الكلمات وتناسلت الحروف بالاقتراب وصدح البوح بحدود فجر شهرزاد.
وهو يساير الحديث لاحظ مرات عديدة أن المدفئة تخبو ثم تشتعل، بها حقا كان يقيس حجم وثقل آهات ذاكرته، بها كان يعلم أنه يتخلص من شدة كل المراقي النازلة لسلم فجوات الحياة. في لحظة ليست بسرعة جني بلقيس وسليمان اختفت تلك المدفئة وذاك النار، وبدا صوته أقل حدة، بدا أقل بحة و احتله انسيابه نغمة معتدلة، بدا أن القلب والذاكرة نفضت كل التراكمات السالبة للذات والتفكير، ومنها علم أنه استوفى حديث البوح واكتسب رقي التحلل الصوفي.

موجة بحر،
وجد حينها النوارس تصفق بأجنحة السلام البيضاء، كانت تصدر صوتا علويا متناسقا مع تموج سماء بحر. نطق كبير النوارس وأبلغه بكل فخر حين يصبح الإنسان ليس مصدرا للقتل المعنوي ولا عنصرا سالبا بالغباء، أبلغه بلغة سماء عوالم الفضاء أن الحياة متاع الغرور وبها بالضبط ينبغي استغلال عقل التفكير، أبلغه بالختم أن تلك الحواجز السالبة لتراكمات ذاته تم حرقها بالمرة.
لن أخفي عنكم أهل بر الأمان تلك السعادة الحالمة التي كان يعيشها حين تخلص من أوزار نقط سالبة من حياته الماضية، حين أصبحت أحمال أسفار ذاكرته قابلة لإعادة القراءة والتداول وخلق لحظة تفكير فيها بالنقد والتحليل.
انتهت مائدة حكماء طاولة النوارس بصب مياه بحرية باردة على جسده للتطهير النهائي، لحظة مفزعة وجد نفسه مرميا على الشاطئ الرملي من شدة موجة بحر عاتية لم ينتبه البتة إليها، حينها نفض رمالها وتقابل رؤية مع شمس الصباح باسما.
ذ.محسن الأكرمين مغرب اامواطنة