السرير الممغنط. محسن الأكرمين (فصل من رواية: ويلات ذاكرة حالمة).

شارك

السرير الممغنط. محسن الأكرمين (فصل من رواية: ويلات ذاكرة حالمة).

لم يعلم إيثري من نومه فوق ذلك السرير الممغنط أنه سيبيت في حلم سماء الفضاء الخارجي، أنه سيأوي عيشا مع التفكير العلمي المجرد وبدون ذكريات حاضرة، ولا مسودة ماض. حين استعاد قدرته على مغادرة السرير الفضائي بتناسل أحلام التكرار على مخيلته المتدنية سوء، استعان وقوفا بملامسة خفيفة على الصورة الفريدة التي تؤثث محتويات غرفته. حينها ابتسم بليونة متثاقلة، ووجد مشاعره لا تقدر البتة الابتعاد عن تواجد تيللي حبيبة القلب، حتى في دعمه الموضعي والاستواء وقوفا. وكان إيثري يلازمه الخوف من أن تعتقله كوابيس الأحلام الليلية بالتعقب، بقدر معاودة وضع الصبي يده في الفرن ليتحسس دفء الحياة، لكنه اكتوى بنارها مرات متتالية.
عيونه تطوف عند ملامح حسن عيون تيللي، صورة تفقد رؤية بسمة الشفاه وأمل حب الحياة المشتركة، ثم تقدم إيثري نحو باب الغرفة الذي لا يتم سده بتاتا. كانت تلك من أثر عادات إيثري الباقية بذاكرته السلوكية العميقة، فحين فاضت روح أمه خروجا من تلك النافذة العالية، حين صاح بأعلى ما أوتي من قوة "وامّي...وامّي...مي"، كان باب الغرفة موصدا عليهما ولم يصل صوته إلى من بالبيت، إلا بعد أن اشتد به رعب الموت والبكاء، وفقدت الأم لكل حركات جسمها.
لم يحفل إيثري بمعاودة مواجع الألم بفواصله المتعبة بالحنق، انطلق وهو يفرك عيونه بملل النوم غير المريح، نهض من السرير الممغنط بحياة التحولات غير السوية، ودعاء الاتكال على من بيده قوة تسطير قدر رقعة شطرنج حياته تكون فيها الغلبة للشاه. في الممر الضيق إلى حمام غرفته الصغيرة، كان إيثري يؤثر أن يمر على سمكاته داخل خزان مائها الزجاجي، اليوم وجد سمكته الصغرى لا تلهو لعبا، لاحظ أنها افتقدت إلى الحركة الطائشة بالفرح، وجدها حتى هي قد كان حلمها محزنا وكئيبا في ليتها الشاقة. حاول جادا أن يبهج السمكة الحانقة من ليل متعب، لكنه لم يستطع للأمر سبيلا، قرر أن يرسل أكسجين الحياة للماء لعلها تنتعش رعشة، وتطفو علوا باللعب حين تراه يمدها بالإطعام.
في ذاك الصباح، يعيش إيثري حرية منفتحة على ذاته ومؤثثات غرفته، يجاري سكينة الحركة الصامتة، إلا من صفيرة عصارة قهوته صباحا والتي تناديه بنكهتها. كسر صوتها سكينة الغرفة، حينها التجأ إيثري إلى الفنجان وغمره عصير بن ساخن وتوجه نحو نافذة غرفته العلية يتحسس بعيون ابن حي المقدمة جمال موسم فصل الربيع في ذلك الحي غير النائي بالبعد عن دوشة المدينة.
حين كان إيثري يمتنع عن الزواج قبل أن يعتدل مسار حياته، كان يتصرف مثل الصبيان داخل الغرفة العلوية من منزل أخته، كان يتخلى عن كل ملابسه ويتحرر، كان يعتقد أن الحرية عري نحو المسؤولية، ولا يمكن أن توثق بالتشديد من عادات اجتماعية، ولا قانونية صارمة. كان مرات عديدة يخرج نفسه وتفكيره من داخل علبة الصندوق، ويعاتب ذاته من خلال تلك المرآة التي تشد صورتها ذاته بتمامها. كان يفزع بالسؤال حتى أحزان ألمه حينما يجابهها بالتحدي، كان يفتش عن إيثري الإنسان !!! لا إيثري المواطن المقهور بمسودات تاريخ المكان والزمان في ذلك الحي غير النائي عن دوشة المدينة!!!
اليوم اصطدم قوة مع منعشات جراحات الألم، حتى أن تلك الأحزان أشفقت عليه وسألته: لما لم تخبرني من قبل بأنك تعيش حزن الانفراد والتوحد؟ حين سكت الجسم المتعري للحياة، كان رده بسيطا وحكيما: كنت لا أود أن أحزنك، وأنال حيز روح الشفقة منك !!! تبسم الحزن من رد إيثري الدبلوماسي، تبسم وأشفق حقيقة عليه وعلى مشاعره الإنسانية، ثم قال: لنقم بهذه الخطوة الجريئة من نوعيتها وبدون استخفاف بيننا، لنتحدث الآن أو ليصمت كل منا إلى الأبد، ما رأيك إيثري؟ وتساءلت كلمات الأحزان وبدون انتظار لجواب من قعر المرآة، وهي تحمل غباء المكر: ولما أخبرتني اليوم يا إيثري بأسرار أحزانك وبالاستفاضة المطنبة؟ لم يكن رد إيثري بالتسرع، بل آثر التريث وخلق مساحة من الإثارة الإخبارية المستملحة، وإشباع غرور سدنة الحزن بأنهم المنتصرون على بني البشر !!!. كان جواب إثري مباشرا ومحدود الكلمات: الآن، أود أن أحزنك وأنت الحزن بعينه. الآن أريدك بصدق أن تجرب رخصة آهات الألم ومعانقة حنق الحياة. حينها تململ إيثري وقوفا تاركا الحزن عند المرآة لاصقا وفي اندهاش من ذكاء الجواب، تحرك وهو يرتدي ملابس مجابهة الحياة بقوة العزيمة.


مغرب المواطنة