من مشاهد العيد الكبير. (الجزء الثاني).

شارك

من مشاهد العيد الكبير. (الجزء الثاني).

لجان مراقبة الأسعار ومحاربة التدليس،
من المفارقات العجيبة أن التلفزة العمومية لا تنقل لنا لجان محاربة الغش والتدليس ومراقبة الأسعار أيام العيد الكبير. من عجائب المفارقات حين لا تتحرك تلك اللجان الرسمية و الموسمية إلا ونحن في شهر الصيام وكأن الغش لا يبرح يفارق شهر رمضان. من المفارقات العجيبة أن العيد الكبير يحمل زيادات في كل لوازمه المتكاملة لذبح الخروف، ولا مراقبة ولا محتسب يتحرك ويحمي جيوب المستهلكين. هي التلفزة العمومية التي علمتنا هذه السنة ألا نستهلك إلا الخرفان ذات الأقراط الصفراء، هي التلفزة العمومية التي تبشرنا بغلال المغرب الأخضر حين أصبحت أعداد الخرفان كثيرة، والعرض يفوق الطلب، ولا نقصان في الأثمان مثل ما حدث في تحرير سوق المحروقات، هي التلفزة العمومية التي تجيد الحديث عن الخير والخروف في متناول حتى فقراء البلد، وما أكثرهم في التعداد السكاني.

جولة عيد،
في مساء یوم العید أعلنت جهارا و إصرارا اختطاف الفرحة حتى وإن أبت مرافقتي في جولة قصيرة بمدينة الأحاجي الأسطورية، حين قررت خلوة في ضواحي جھة مكناس الشمالیة بجانب الوادي المسكین والمنهك في جريان مياهه (بوفكران)، فیما كانت صدمتي مفزعة حین رأیت میاه ذاك الوادي و قد أصبحت تتلون بلون احمرار الدم الآتي من كل أحیاء المدینة، حین زاد حجم تدفقه باستھلاك الماء المفرط یوم العید و بصبيب دم خرفان القربان. حینھا عدلت عن الجلوس أمامه، وقلت في نفسي لما لا أقوم بجولة متحركة في مدینتي فھي شبه خاویة و الناس قد أعیاھم الكر و الفر على الذبیحة، والكل جالس في حراسة اللحم وأكل ما لذ من الشواء.

ملاحظات العيد،
ھنا لاحظت من بین المظاھر غیر السلیمة ركام بقایا مخلفات الأضحیة المرمیة بعشوائیة، لاحظت من بین المظاھر التي تحیلنا إلى العصر الحجري أو البدائي أفران نار الشوارع و عمليات (تشویط الرؤوس) وقطع القرون الملتوية. من المضحك حین حضرت بشارع محمد الخامس بحمریة حصة من تشویط رؤوس ساكنة المدینة الجدیدة وفي المنظر الجميل الاول.
العجیب من تلك المظاھر، أننا نمارس نقدھا والتلویح إلیھا بعدم الرضى و نمارس التعلیق علیھا في المواقع الاجتماعیة علانیة ونصفھا بأنھا مظاھر من تاریخ البدو القدیم. لكننا، نزكي عملھا من خلال الاتجاه إلى مشوط الرؤوس والاستعانة بخدماته المؤدى عنھا بزیادة وأریحیة، أو من خلال رمي نفایات بقایا العید بعشوائیة ، ثم بعد ذلك ننتقده بأصبع الإشارة من تحت جلباب سلوكات المغاربة أیام العید وعمل شركات النظافة.
إنه بؤس حمل وزر الازدواجیة و السلوك ، إنها بدایة ھدم ما تم امتلاكه من أوجه بدايات التحضر، والاستسلام إلى المظاھر غیر المھذبة الآتیة من التحولات الاجتماعیة المفزعة.

عمال النظافة،
لن نوفي عمال النظافة حقهم في هذا العيد رغم ما نقول من شكر موصول، وما نكن لهم من احترام وتقدير، لن نزيد إلا من شكرهم وتقديم علامات الاستحقاق الكاملة لهم. عمال النظافة يتحملون القسط الأكبر في تحرير المدينة من مخلفات العيد، يتحملون الأدوار الريادية في فك الحصار عن الأزقة من بقايا الخروف الضحية، وكأننا في مسرح إعادة الجريمة الحلال.
إنه العيد الذي يجب أن يحمل شعارا قارا (سنة دينية ونظافة مدينة)، إنه العيد الذي يجب أن يتحصن بعادات بديلة وحضارية بدل (أنا ومن ورائي الطوفان)، إنه العيد الذي يجب أن تتحمل فيه جماعة مكناس مسؤولية إقامة مذابح الأحياء المتحركة بتأطير من أطباء الصحة والبيطرة، وبأضعف الأيمان إصدار بلاغات توجيهية للساكنة.

بعد العيد،
في الیوم الثاني من العید وھو من بین المفارقات ذات الحسنات، یتمیز المغاربة بالتحول نحو الخیر، و یصبحون أكثر لطفا و أدبا، یتبادلون الابتسامات حتى المنافقة منھا، یتبادلون التحیات والقبل الرباعیة، تحس أن جني كل مغربي قد ارتوى من الدم (القربان) الذبيحة ویعیش الآن بأمان ورضا من رب السماء.
بعد العید یعم السكون الساكنة یقل الإجرام بعد يوم العيد (الكل ملهي مع اللحم) ، و تعیش مكاتب الأمن الوطني الكساد من تسجیل شكایات الضرب والجرح، حتى السرقات تخف فيها أيدي اللصوص فلم يبق في جيوب القوم أي شيء من المال.
حین یتم ذبح أكثر من خمسة ملایین من الأنعام، سیتم استھلاكھا بطرق غیر صحیة، وبمتم آخر (قدیدة منھا) و (كرداسة) ستتوجه الغالبیة إلى التحالیل والأطباء، ویبدأ الحدیث عن الشحمة الثلاثیة والكولسترول وارتفاع الضغط والسكر.
ذ.محسن الأكرمين مغرب المواطنة